مقالات

عندما تحاكم الشخصيات كاتبها

الكثير من الكتّاب لكثرة محاولتهم خلق الإثارة والتعقيد يصل بهم الحال لنقطة لا يستطيعون معها إخراج شخصيات رواياتهم من المآزق التي وضعوهم فيها فيتوقف العمل الأدبي وتصبح الشخصيات عالقة في حقل عبثي مجهول، حينها وجب محاكمة الكاتب، ولكن من سيحاكمه؟

يقول الكاتب المصري الراحل أنيس منصور في مقال له على صحيفة الشرق الأوسط أنه في رواية “عريس فاطمة”، (وكما يبدو أنه تم تغيير اسم الرواية إلى “إلا فاطمة”) بالغ في تحليل شخصية فاطمة لدرجة وصل معها إلى أنه لم يستطع إكمال القصة حيث قال: ” وجدتني عاجزا عن إكمال القصة.. عاجزا عن إخراجها من المصاعب التي غرقت فيها.. وتوقفت ورحت أتعلل بأسباب كثيرة لعدم إكمال هذه القصة ولكن الحقيقة أنني لم أستطع!”

يكمل أنيس منصور: ” وأخيرا وجدت الحل.. فقد كنت أقرأ رواية «المعنى الحزين للحياة» للفيلسوف الإسباني الوجودي أونامون .. فجأة وجدت الحل.. فقد وقع الفيلسوف العظيم في الحفرة نفسها.. ولكنه خرج من المأزق بأن أدار حوارا بينه وبين البطل.. أي بين المؤلف والبطل.. يقول له البطل: كيف قررت أن تميتني؟”

إنها لفكرة مثيرة أن تساءل شخصيات قصة ما كاتبها. لو تطيلون النظر في القصص والأفلام نجد هناك شخصيات مهمشة، وُجدت فقط لكي تستوي القصة العامة حيث أن موتهم أو معاناتهم ضرورة ليصبح البطل بطلًا والشرير شريرًا. ماذا لو سألت تلك الشخصيات الكاتب عن سبب تهميشهم، عن سبب معاناتهم وموتهم ظلمًا، صدّقوني سيكون الجواب صادمًا عندما يقول الكاتب: “من أجل البطل” أو “من أجل اكتمال القصة”، وقد يكون صادمًا أكثر عندما يكون الجواب “حتى يستمتع القرّاء”.

ينتابني تساؤلٌ أخر: ماذا لو أننا سوى شخصيات مهمشة عيشها وموتها من أجل اكتمال قصة ما أو من أجل أن يصبح أحدهم بطلًا وآخر شريرًا؟

عبد الرحمن الآنسي

 الشخصيات المهمشة في الكثير من القصص موتها وبقاءها ليس من أجلها هي، بل من أجل شخصية أو شخصيات أخرى. ماذا لو كان للشخصيات التي يخلقها الكاتب الحق في أن ترفض المشاركة في العمل الأدبي أم لا هل كانت ستقبل تلك الشخصيات أن تمثل ذلك الدور المجهول؟ سؤال يحتاج لإجابة. ماذا عن شخصيات تلك القصص التي لم تُكتمل، هل ستذهب لتبحث عن كاتب آخر يتبناها مثلما حصل في مسرحية “”ست شخصيات تبحث عن مؤلف” للكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت؟

مسرحية “ست شخصيات تبحث عن مؤلف” 1923 باريس.

أرى أنه من الطبيعي جدًا أن يصل الكاتب في قصته إلى مرحلة يعجز عن إكمالها فيستسلم، قد يصيبه الملل وقد يموت وتظل قصته معلقة، ثم ماذا لو أن الحياة مجرد قصة كثُر فيها التعقيد أو ملّ منها كاتبها فتركها وأصبحنا عالقون في حقل مدولب؟ ينتابني تساؤل آخر: “ماذا لو أننا سوى شخصيات مهمشة عيشها وموتها من أجل اكتمال قصة ما أو من أجل أن يصبح أحدهم بطلًا وآخر شريرًا؟”تساؤلٌ مرعب لكنه يستحق التفكير.

المصدر
لا أحب أن أنشغل عن الكتابة! أنيس منصور

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى