مقالات

الأطلال – ليست أغنية عشق كما يُشاع

أتعرف، عندما نقف على الأطلال نقابل هالاتنا، نحاول مجارات الزمن وتسوية الأقدار وأحيانًا يصل بنا المطاف إلى المحاولة لمقابلة الآلهة نفسها، وذلك ما فعله الطبيب والشاعر إبراهيم ناجي في قصيدته المشهورة “الأطلال“، فقد اكترى بُراقًا ليطوف بنا في فضاء عجيب، حاول جاهدًا الوصول بنا إلى السدرة وعندما فشل قال:

أيـن منـي مجلـس أنـت به
فتنة تمـت سناء وسنـى.

إبراهيم ناجي في هذه القصيدة يخبرنا عن عجزه التام لمعرفة الذات العليا، صرّح بذلك عندما قال في مطلع القصيدة:

يا فؤادي لا تسل أين الهوى
كان صرحاً من خيالٍ فهوى

الأطلال؛ في هذه الأغنية اجتمع عباقرة الفن؛ الشاعر العظيم إبراهيم ناجي والموسيقار العبقري رياض السنباطي وكوكب الشرق أم كلثوم ليخلقوا عملًا فنيًا أسميه “هرم مصر الرابع” حيث اندرج  ضمن أفضل مائة عمل فني في القرن العشرين.

             الأطلال ليست مجرد أغنية حب كما يُشاع وأنا ضد هذه الفكرة تمامًا، إنها ثورة وجودية، أسطورة تستحق أبياتها أن تُخلّد وتُعلّق على أستار الكعبة كما كان يفعل أسلافنا العظام مع الشعر، والأطلال بالمناسبة ليست القصيدة الأفضل للشاعر إبراهيم ناجي، إنما يمكننا القول أن الجماهير العربية عرفته بها، فلديه قصائد تُسكرك عند قراءتها لقوة معانيها وعذوبة ألفاضها وتماسك نظمها.

رياض السنباطي سبر أغوار القصيدة جيدًا فبدأها بلحن حرّ للدلالة على المعنى الخاص للقصيدة نفسها. السنباطي في الحقيقة لم يلحّن الكلمات بل لحّن المعاني نفسها، فكان يبكي عند العجز ويحزت عند الطلب ويثور عندما لا يجد الأجوبة، هكذا أصبح اللحن ثورة بحد ذاته أضاف للأغنية جمالًا إلى جمالها الأصلي، حيث بدأ بمقام _ راحة الأرواح _ الهزام والذي يعتبر المقام الأصلي للأغنية وصوت أم كلثوم العريض أعطى الملحن الحرية في استخدام معظم المقامات تقريبًا والتلاعب بها بسلاسة، وأخيرًا أنهى الأغنية بقفلة عالية لم تتعود الست إنهاء أغانيها بها حتى أنها رفضت في البداية وأرادت أن تكون النهاية بها عُرب موسيقية ولكنها في النهاية رضخت لقرار السنباطي بعد أن وجدت إصرارًا من جانبه، وامتناعه عن إكمال تلحين الأغنية. كيف لا وقد استغرق هذا اللحن من السنباطي الموسيقار العبقري سنتين كاملتين.

الأطلال ليست مجرد أغنية حب كما يُشاع، وأنا ضد هذه الفكرة تمامًا، إنها ثورة وجودية، أسطورة تستحق أبياتها أن تُخلّد وتعلّق على أستار الكعبة كما كان يفعل أسلافنا العظام مع الشعر.

عبد الرحمن الآنسي

ظهرت إشاعات بعد شهرة القصيدة من بعض النسوة أن إبراهيم ناجي كتبها تغزلًا فيهن،  أتساءل: كيف لإبراهيم ناجي تقديم قصيدة وجودية عميقة لعاشقة لا ترى أكثر من رأس أنفها؟ أكثر شائعة صدّقها الناس رغم إنكار صاحبتها لها وما زالت هي شائعة الممثلة زوزو نبيل؛ حيث كانت فتاة يحبها إبراهيم ناجي ويراسلها حسب ما قيل وحتى قيل أنه كان يكتب لها قصائده في الروشتات، وهي طبعًا إشاعة مثلها مثل البقية وحتى أن زوزو صرّحت في لقاء لها على قناة ماسبيرو زمان أنه لم يكتبها لأجلها، فقد كان يكتب عن أي شيء يشعر به.

(رياض السنباطي وأم كلثوم)

بعد رحلة طويلة مضنية في البحث عن المعنى يصوّر ناجي حالة العجز التام التي وصل إليها، وبحثه عن أي قشة يتمسك بها فيقول:

ويـدٍ تمتـد نحـوي كـيـدٍ
من خلال الموج مدّت لغريق

يشعر الشاعر بتأنيب الضمير لعدم وفائه بعهده، أو ذلك العهد الذي قيل له عنه، فيقول:

 أيـهـا السـاهـر تغـفـو
تذكـر العهـد وتصـحـو

يشعر بالظلم والعبثية أمام ما يراه فيقدّم الأسباب ويتذمّر قائلًا:

مع احتفاظي بعهود لم تصنها
وإلام الأسـر والدنيـا لديّ

وأنا أستمتع بهذه الأغنية العملاقة ينتابني شعورٌ غريب، مزيج ما بين البكاء ونشوة الإعجاب، الرغبة في ترديد الكلمات بصوت عال تصل النشوة للذروة، عندما يثور الشاعر طالبًا حريته فيقول:

أعطني حريتي أطلـق يديـا
إنني أعطيت ما استبقيت شيئا
آه من قيدك أدمى معصمـي
لم أبقيه ومـا أبقـى عليّـا

لو نظرنا إلى القصيدة ككل لاكتشفنا أنها رحلة فكرية مضنية، رحلة البحث عن المعاني الحقيقية، البحث عن الجذور والأصول ومحاولة الوصول، لا يكتب هذا الفن إلا من طافت به المراكب على البسيطة كلها ولم يجد شيئًا يمكن اعتباره حقيقيًا فلام كل ذلك الوهم الذي عاشه حتى أصبح قيدًا صدئًا  أدمى يداه التي يستخدمها في حياته اليومية، يحاول فكّ ذلك القيد ولكنه لم يبقي القيد وكذلك القيد لم يبقي عليه، كل ذلك حدث ولم يكن الأمر بيديه بل كان بيد الحظ.

في القصيدة الأصلية معانٍ عميقة تم استبعادها عند الغناء، وهناك تساؤلات لدي؛ يا تُرى هل كانت تعرف أم كلثوم بالمعاني الحقيقية للقصيدة أم كانت تراها كلمات لعاشق ولهان مات قبل سنوات وأرادت إحياء ذكراه فغنتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى