مقالات

محكمة العقل الدولية

نحن الآن أمام محكمة العقل الدولية، حضر المتفرجون وانتظروا حتى دخل الحاكم. صرخ الحاجب بصوتٍ عال اهتزت له جدران المحكمة قائلًا: “محكمة” . قام الحضور من هيبة الموقف، فدخل الحاكم ومستشاريه وجلس فجلس الحضور معهم، ثم بدأ المحامي يترافع في القضية:

“قبل فترة قرأت كتابًا للكاتب المصري طه حسين بعنوان “في الشعر الجاهلي“، الذي تساءل فيه عن مصير أدب ما قبل الإسلام، والذي بسببه كفّره أناس وزندقه آخرون، وفي الحقيقة لم يفتح ذلك الكتاب في عقلي نوافذ جديدة؛ لأني كنت أعرف تلك الامور مسبقًا؛ ولكن ما شدني كثيرًا وجعلني أترافع في هذه القضية هو ردة فعل جماعة الإسلام السياسي، وخوفهم الشديد من فتح ملف الأدب العربي في عصر ما قبل الإسلام، وتوجيه أسئلة مثل:

أين هو هذا الأدب العربي العريق، لماذا تم تجاهله؟ من المستفيد من هذا العمل؟ لماذا يخافون من الإجابة؟ هل يعني أن هذا السؤال يجبرهم على الوقوف أمام محكمة العقل الدولية والاعتراف بفعلتهم؟

قام المتهم وصاح بأعلى صوته:

 “أنا لا أقبل هذه الاتهامات الكاذبة والمسيئة إلينا، وأدعوا موكلي للرد عليه”.

قام موكل المتهم وقال: “حضرات القضاة، يقول المحامي أن الأدب حينها كان قويًا وعظيمًا، ألم يهزمهم القرآن واعترفوا بهزيمتهم؟”

رد المحامي قائلًا:

“في البداية لن أسألك من كان الحكم حتى نحكم عليه؛ ولن أسألك هل هزمهم أم لا، ولكنك قلتها بعضمة لسانك؛ القرآن الكريم تحدى العرب في لغتهم، أليس كذلك؟ “

رد موكل المتهم بحماس:  “نعم”.

المحامي: “ومن كان المتحدي .. أليس هو الله؟.

يرد الموكل: “بلى”.

يسأل المحامي مرةً أخرى: “ماذا يعني هذا بالنسبة لكم يا حضرات القضاة؟ ألا تعون ما معنى أن يتحدى الله العرب في الفصاحة والبلاغة وقوة الأدب؟ إذا كان موكل المتهم لا يعرف، فكان علي لزامًا إخباره بأن هذا يعني أن الأدب العربي وقتئذ كان في أوجّ قوته وازدهاره لدرجة يمكنه أن يواجه التحديات والمنازلات الكبيرة”.

رد موكل المتهم ببرود واضح:

“وما المشكلة؟ ألم يأتنا النبي محمد بدينٍ وقرآنٍ وحدنا وجمعنا؟ إذن فلا تهولون الأمر لأنه لم يصلكم الأدب الجاهلي..”

المحامي يقاطع المتهم:

“أولًا، من سمح لكم بتسميته بالأدب الجاهلي؟ ألم نقل قبل قليل أنهم كانوا مثقفين وأدباء لدرجة يمكنهم قبول التحديات الكبيرة؟ فهل يقبل برأيك العالم العظيم أن يتحدى جاهل؟ فكيف لو أن المتحدي هو الله”.

سكت موكل المتهم، وبقي يفكر كيف يخرج من هذه الورطة العويصة، فقال مدافعًا:

“وما الذي حصل الآن حتى تهولون الأمر كل هذا التهويل؟ إنكم تتبعون أجندات غربية تريدون للمسلمين الذلة والمهانة، ثم ولنفترض أنهم كانوا أدباء وحكماء كبار فماذا كنا سنستفيد منهم وقد أتانا نبيٌ أعاد لنا المجد والرفعة، وعوّضنا بأفضل منهم وجعل لنا شأنًا بين الأمم؟”

أولا من سمح لكم بتسميته بالأدب الجاهلي؟ ألم نقل قبل قليل أنهم كانوا مثقفين وأدباء لدرجة يمكنهم قبول التحديات الكبيرة، فهل يقبل _برأيك_ العالم العظيم أن يتحدى جاهل فكيف لو أن المتحدي هو الله؟

عبد الرحمن الآنسي

أخذ المحامي نفسًا عميقًا وأصلح بزته، ثم قال:

“حضرات القضاة الحاضرون جميعًا! إنّ الخطب جلل، والقضية أشبه بقضية المراهق “جافريلو برينسيب” الذي اغتال  بمسدسه عيار (9 مم) الأرشيدوق ولي عهد النمسا “فرانز فرديناند”، موجهًا نحوه عدة رصاصات متتالية أردته قتيلًا على الفور في مدينة سراييفو عاصمة البوسنة. الأمر لم يكن كبيرًا في بادئ الأمر ؛ شاب مراهق أطلق النار على ولي عهد النمسا فقتله، بإمكان الدولة الصربية أن تقتل المراهق الصعلوك “جافريلوا” مع الجماعة التي ساعدته، ثم تخضع لمطالب حكومة النمسا وانتهى الأمر، أو على الأكثر ستكون حرب بين الدولتين، ولكن القضية لم تكن بتلك البساطة؛ فقد قامت حرب عالمية بسببه، ولم يغتال جافريلوا وأعوانه “فرانز فرديناند” فقط، بل اغتالوا بفعلتهم تلك أكثر من سبعًا وثلاثون مليون إنسانا؛ ما بين قتيل وجريح ومفقود.”

لوحة توضح لحظة اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند على يد غافريلو

صاح موكل المتهم بأعلى صوته محتجًا:

” أتتهم النبي محمد بأنه قاتل ومراهق؟ يا لك من وقح حقير، أنا لا أقبل هذه الاتهامات الرعنة وأطلب باعتقاله وتأديبه”

المحامي:

“أولا لابد أن تعرف بأننا أمام محكمة العقل الدولية، والسيد فيه هو منطق العقل، وأنا لا أتهم النبي محمد بشيء، فالأنبياء لا يتهمهم أحد ولهم منا كل الاحترام والتقدير، بل أتهمكم أنتم؛ الذين أدلجتم الدين وسيستموه، أنتم الذين اغتلتم أدب عصرٍ بكامله ، وليس أي اغتيال، بل اغتيال لمستقبل أدب الأمة كلها، ومن أجل ماذا؟ حتى لا يختلط بالحديث والقرآن .. أإلى هذه الدرجة كان تفكيركم قاصرًا ؟، ثم لا يحق لأحد أن يبرر جريمتة بأنه كان مضطرًا لذلك؛ فكل المجرمون اضطروا لارتكاب الجرائم حتى أوصلتهم إلى المحاكم.

ألا تعرفون أيضًا أن الأدب اليوناني ازدهر لفترة لا يمكن مقارنتها مع الأدب العربي قُبيل الإسلام فرفع مكانتهم في الأدب لدرجة أن شكسبير ودانتي ألغييري وجيمس جويس اعتمدوا على أفكار كلاسيكية يونيانية، والآن الأدب اليوناني وصل صداه مشارق الأرض ومغاربها، وتأسست على غراره علوم ومعارف، فكيف لو أن الأدب العربي لم يُدمّر؟ وهل كان من الممكن أن يُدرّس في جميع بلدان العالم مفتخرين بأن العالم في عصر من العصور أنتج أدبًا كالأدب العربي؟ لو أنه لم يغتال هل كان العرب الآن في ذيل الأمم في الأدب؟”

ويعيد المحامي التساؤل:

“لمَ لم يصل إلينا الأدب الجاهلي من شعر ونثر ، هل هناك أحدٌ اغتاله؟”

يجيب الموكل:

“ومن قال أنه لم يصل، وصل إلينا بعضه؛ لأنهم كانوا يعتمدون على الحفظ والرواية؛ لهذا السبب لم يصل إلينا منه إلا النزر اليسير.”

 يعود المحامي يسأل:  

“لم ذلك النزر اليسير بالتحديد، ولم لا يتكلم ذلك النزر اليسير إلا بلغة قرشية بحتة، بل وبلكنة المتدين الرصين، ألم يكن العرب قبائل مختلفة لهم لهجات واعتقادات مختلفة، هل كانوا كلهم متدينون؟ هل كل العرب كانوا يتكلمون نفس اللهجة ؟ لم لا نرى شعرا يدين الإسلام، لم لا نرى شعر الحكماء في عصر ما قبل الإسلام؟”

انتظر الحكام مع الحضور جوابًا من موكل المتهم، لكن ما فاجأ الجميع هو أن رصاصةً اخترقت رأس المحامي  لا يُعرف مصدرها، فأردته قتيلًا، اعتلت إثرها صرخات التكبير، وخرج الجميع يحتفلون بأنهم قتلوا عدوًا من أعداء الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى