مقالات

وديع اليمني وفيروس كورونا (قصة)

كان يمشي في الشارع خائفًا يترقب المارّة وهو يتمتم ببعض الأدعية، “يا رب سترك يا الله”.  لم يكن يملك كمامة ليحمي نفسه من فيروس كورونا المتفشي في البلد فالشعب يعيش أزمة غير مسبوقة كوّنتها الحروب الداخلية والفقر والأمراض القاتلة كفيروس كورونا . 

دخل إحدى الدكاكين فاشترى قطعة صابون ثم خرج متجهًا نحو المنزل. لم يمشِ سوى بضع خطوات حتى سمع صوت جسم ارتطم بالأرض، نظر خلفه فرأى رجلًا ملقيًا على الأرض يسعل بقوة لا تطاق، من يراه يشعر وكأنه يريد أن يخرج جميع أمعائه إلى الأرض.

بين الآونة والأخرى كان جسم ذاك الرجل الملقي يرتعد محدثًا حركات غير متزنة ، يحاول الصراخ لكن السعال كان يغلبه. نظر وديع نحو الرجل الملقي على الأرض بشفقة وخوف زائدين، يكاد يصرخ ويبكي لكنه لم يعد طفلًا. اقترب قليلًا من الرجل وتفرس في وجهه، يبدو أنه خمسيني العمر، وجهه محمرًا وخائفًا، يفكر وديع في نفسه “أي عائلة تنتظره؟ كم من الأطفال يعول هذا الرجل؟ من سيبكي عليه وكم من الناس قد نقل إليهم العدوى يا ترى؟ 

لم يعد سعالًا عاديًا، ففمه ووجهه أصبحا ملطخين بمادة بيضاء كرغوة الصابون.. لقد كانت تلك الرغوة تخرج من فمه بطريقة مؤلمة.  يريد وديع أن يقترب منه أكثر لإسعافه ثم يتذكر أنه سيُصاب أيضًا إذا لامسه وحاول إنقاذه.

 ما زال يفكر: ” أيهما أفضل؛ أن ينقذ شخص نسبة موته تعدت الخمسون في المائة ويرمي نفسه إلى التهلكة أم يتركه وينقذ نفسه السليمة .. ما الحل!!  صاح بالناس من حوله: “إنه يموت .. يموت دون أن ينقذه أحد. أين الفريق الطبي؟” اقترب اثنان منه حاولا إنقاذه لكن دون جدوى. بدأ وديع يبكي بطريقة هستيرية ويصرخ في من حوله أن يستدعوا الفريق الطبي أو سيارة إسعاف لكن لا أحد في المكان. انتظروا نصف ساعة لم يأتِ أحد، ومات الرجل وهو يسعل ويتلوى جسمه في المكان كشاةٍ مذبوحة. 

أخرج وديع هاتفه وبدأ يصور الرجل وهو يكابد الموت، لعل أحدهم يراه فيعتبر. لقد كان المنظر في الفيديو مؤلمًا وصادمًا جدًا.

رجع وديع إلى المنزل بعد أن أتى البعض وأخذوا الرجل الملقي على الأرض في بطانية وذهبوا بها. كان يفكر “هل سيحرقون جثته كما فعلت إيطاليا وبعض الدول أم سيحملونها بسيارة ثم يلقونها في حفرة من الأعلى ويغطونها بالتراب؟ هل سيراه أهله أم لا! يا إلهي ما هذا الرعب. 

وصل إلى المنزل فأغلق الباب على نفسه في غرفته يفكر “ما الحل الآن؟ هل سننتظر حتى نموت في الشوارع مثل هذا الرجل؟ الدولة ليست مضطلعة بالمسؤولية وليس هناك حل سوى أن أحمل مسؤولية أسرتي حتى لا يصاب أحدنا بهذا الفيروس اللعين” خرج وديع من غرفته وجمع الأسرة كاملة وبدأ بسرد أول قرارٍ سينفذه منذ اليوم 

القرار الأول: لن يخرج أحد من المنزل إلا للحاجة القصوى وبعد أن آذن له أنا 

القرار الثاني: كل فرد منا إذا خرج غير مباليًا بالفيروس فقد يجلب لنا الموت جميعًا في أي لحظة ممكنة، لذا سنتبع إرشادات الوقاية من الفيروس بطريقة صارمة,

القرار الثالث: من يخالف سيتم حبسه اسبوعين لا يرى أحد وليعتبر هذا كجزاء له. 

أخرج وديع الهاتف من جيب بنطاله ثم فتح الفيديو الذي صوره من قبل وعرضه على الجميع فردًا فردًا. كانت وجوه أفراد العائلة مرعوبة للمنظر. أغلق وديع الهاتف ثم نظر نحو الجميع وقال:

أما القرار الرابع والأخير فهو من يريد أن يموت بهذه الطريقة وُيدفن دون أن يراه أحد فليتصرف كما يحلو له.

حالة صمتٍ غطتِ المكان. نظر وديع نحو عائلته ثم قال: “ماذا قلتم؟ هل ستسمعون كلامي وتتبعون ما أخبرتكم به؟”

هز الجميع رأسهم موافقين لما قاله وديع وبدأوا يطبقون تلك الشروط من تلك اللحظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى