مقالات

هل العلمانية عدوةً للأديان ؟

لكل مصطلح تعريف، وبدون ذلك التعريف لا يمكن معرفة المعنى الحقيقي لهذا المصطلح.  فعلى سبيل المثال يتجادل اثنان على العلمانية، هل يجب أن تُطبّق في الدول العربية أم لا. تشاجرا وسفّه كلٌ منهما الآخر ثم انفصلا وكلاهما حاقدٌ على الآخر. لو نظرنا إلى سبب اختلافهما لوجدنا أن السبب هو في المفهوم وليس في المصطلح ذاته، حيث فهم الأول العلمانية على أنها إقصاء الدين وترك العنان للرذائل بالتفشي، بينما الآخر فهمها على أنها رعاية الدين من قبل الدولة وترك العنان لعجلة الحضارة أن تتقدم وللحرية أن تنتشر.

لو نظرنا للأمر لاكتشفنا أنه مهما ظلّ هذين الاثنين يتجادلان لن يصلا إلى نقطة مشتركة ما لم تتفق قواميسهما في تفسير المعنى الحقيقي للمصطلح.إن انخفاض سقف الثقافة لدى الشعوب العربية، وانتشار الشخصيات الدوغماتية جعلتهم يجهلون المصطلحات ومفاهيمها الحقيقية، فكان ذلك سببًا أوصلهم إلى ما وصلوا إليه. بالمناسبة، هناك فرق بين فصل الدين عن السياسة، وبين فصل الدين عن الدولة. فصل الدين عن السياسة مطلب الجميع .. بينما فصل الدين عن الدولة لا نريده البتة .. كيف؟   يظن الكثير أن العلمانية تعني معاداة الدين وإقصاءه بحيث لا يصبح له أي أثر في المجتمع. دعني أخبرك أن فهمك الخاطئ للعلمانية لا يعني أنه معناها الحقيقي، وقصر نظرك للأمور لا تعني غباء الآخرين. 

العلمانية تعني فصل الدين عن السياسة وليس عن الدولة، أي أن الدولة تتبنى الأديان الموجودة في البلد، فتقوم برعاية الأماكن المقدسة وحماية رجال الدين، وحتى تحتفل بالأعياد الدينية بشكل رسمي، وتخصص حصة من الدولة للأماكن المقدسة، ومنح رجال الدين أجورهم للقيام بأعمالهم تجاه الشعب، وهذا ما أريده وما يريده الكثير وما هو ضروري  تطبيقه في الدول. أنا لا أطالب بفصل الدين عن الدولة كما يفهمه البعض، لأن الدين عندما ينفصل عن الدولة تسمى الدولة حينها “دولة ملحدة”  والعكس عندما يحكم الدين ويتم إقصاء بقية الطوائف والجماعات، حيث تسمى الدولة حينها “دولة دينية” ولو بحثت عن مكان العلمانية لوجدتها تقف ما بينهما. 


العلمانية، تعني أن نخشع للدين لا للشيوخ والقساوسة، العلمانية تعني أن نؤمن بالمعتقدات لا أن نؤمن بالمتحدِّث بها، العلمانية تعني أن نواكب العالم، فلا نقول لمن ينقل تجارب الآخرين أفكارهم واكتشافاتهم بأنه تابع لهم فنحكم عليه بأنه خرج عن الملة، فنحن جميعًا في سفينة واحدة _الذ هي سفينة العالم_ وأن تُغيِّر مسارك فوق هذه السفينة لا يعني أن مسار السفينة سيتغير، لأن السفينة آخذة في مسارها شئنا أم أبينا، سرنا في الاتجاه نفسه أم غيّرنا مسارنا، وإن غيرنا مسارنا فسيبدو مظهرنا مضحكًا كما هو الحال، ولك أن تتخيل ذلك بنفسك.


العلمانية ليست عدوةً للدين، فهي فقط تخبرنا بأن عهد السيف قد ولى، والحنين إلى الماضي ليس إلا علامة للضعف، وأن انتظار أشاوس الإسلام يُبعثون من قبورهم للتصدي للصواريخ العابرة للقارات ومواجهة الأسلحة الحديثة ليس إلا حماقة، فالزمن قد تغير والأفكار قد تجددت، وعجلة الزمان قد دارت، ولابد من نقلة نوعية لهذه الأمة حتى تبدأ عجلة الحضارة  بالحركة نحو الأمام، ولنعلم جيدًا أنه لو بعث محمد ابن عبد الله من جديد لقيادتنا لاتخذ مسارًا غير مسارنا هذا، ولعنّفنا على ما نحن فيه، ولقال لنا أن الدين ليس نصوصا مكتوبة فحسب، فالنصوص لا تحمي الرقاب عند احتدام المعارك، وأن ما يحميها إلا القوة بكل أنواعها.

أخيرًا، لست أدعوا إلا لمستقبلٍ مشرق تنعم به أمتنا، لا أريد أن تعيش أجيالنا القادمة ما نعيشه من التخلف، لا أنا ولا أنت ولا الجميع يريد للأمة أن تسبح  في الماضي بينما العالم يطير نحو المستقبل، ولنعلم جيدًا أن الحضارات تصنعها  العقول لا النصوص. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى