Uncategorized

من ذاكرة الطفولة – أبي

عندما أعود بذاكرتي نحو الماضي أتساءل دائمًا، لماذا لا نكتب إلى شخصٍ ما وكأننا نكتب إلى العالم أجمع! أليس إنسانًا واحدًا قد يكون في نظر أحدهم أغلى من هذا العالم بأكمله؟ أنا مثلًا عندما كنت صغيرًا كنت أرى أن والدي هو كل عالمي لدرجة أنني كنت أحاول أن لا أفكر في أمر موته؛ لم أن أتخيل أنه سيأتي في يومٍ من الأيام ويختطف والدي من بين يديّ.

لا أزال أذكر أنني عندما كنت أفكّر في موت والدي، كنت أدعوا الله أن أموت معه بنفس اللحظة؛ حتى لا أبقى يتيمًا بلا ذلك العالم الذي كان يسكنني. كنت لا أريد أن أموت أنا أيضًا قبل والدي؛ حتى لا يتألم لموتي هو أيضًا، أردت أن أعيش معه وأموت معه. عندما كنت صغيرًا كنت أكتب في دفاتري المدرسية عن حبي لأبي، وعن مدى شجاعته وقوته. كنت أكتب أن أبي قويًا لدرجة أنه يحملني فوق ظهره عندما نذهب إلى المزرعة، على خلافي أنا الضعيف الذي ما كنت أستطيع القيام بذلك معه.

أذكر أنه كان إذا ضربني أحدهم أهدده بأنني سأخبر أبي وسيضربه أكثر مما ضربني؛ كنت أهدد الجميع بأبي لأنه كان بطلي الذي سيأتي لنصرتي ولن يخذلني مهما حصل. دخلت المدرسة وتعلّقت بأبي أكثر، فكنت أنتظر الراحة المدرسية حتى أعبّر عن حبي له بجمل مبعثرة في دفتري وأحيانًا تافهة وغير مرتبة.

في الحقيقة أحب تلك الكلمات المبعثرة خصوصًا عندما تنبع من القلب، أحبّ تلك التعبيرات التي تعتجن بالواقع وتتدفق من أعماق الروح حتى وإن كانت تثقل كاهلي. أذكر بعد أن توفي والدي بأيام عندما اصْطَحَبَتني أمي نحو الوادي، فسألتها “لماذا مات أبي؟ أليس فلانًا وفلانة أكبر منه عمرًا؟ حتمًا هناك خطأٌ ما”.

أعترف أنه عندما مات أبي شعرت بأن العالم معه ذهب وانتهى، فلقد كان كل عالمي . لم أكن أدرك مدى حزن أمي حينها على فراقه، ولكنني كنت أيضًا أريد أن أعرف سبب موته على خلاف غيره ممن هم أكبر منه سنًا، فقد كنت أظن أن الموت يأتي للأكبر عمرًا ثم الأصغر وهكذا. مرّت الأيام وملّت أمي من تكراري لذلك السؤال قرأت أن تغيّر الإجابة، لذا أجابتني ذلك اليوم عندما سألتها بأنه سافر إلى مكانٍ بعيدٍ جدًا وعودته إلينا سيأخذ وقتًا طويلًا. 

انفرجت سريرتي لتلك الإجابة وقلت لها بفرح: إذًا لنبدأ السفر يا أمي حتى نصل إليه أسرع. نزلت من عينيها دموع حزن مسحتهن بكفها وهي تقول: نحن أيضًا نسافر يا ولدي وسنلتقي به يومًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى