مقالات

ما معنى أن تكون فقيرًا

قيل أن أحدهم سمع تلك الحكمة المشهورة التي تقول “الفقرُ ليس عيبًا” فبحث عن سبب مقيلها حتى عرف في نهاية المطاف بحقيقة الأمر حيث قال أنه كان هناك رجلٌ فقير، صلاه الفقر حتى سئم من الحياة كلها وفي إحدى المرات صادفه حشد غفير من الناس كانوا يستمعون لأحد رجال الدولة الكبار وهو يلقي عليهم بعض ديدنه، فقرر ذلك الفقير أن يعتلي تلك المِنصة ليقول شكوته حتى يسمعه رجل الدولة فيستجيب لشكواه.

أمسك ذلك الفقير بالميكرفون فحيا الناس ورحب بهم ثم بدأ يتكلم عن الفقر بجملته تلك “الفقرُ ليس عيبًا” وتوقف قليلًا ليجمع بعض أنفاسه المتزاحمة بين خلجات صدره بينما صفق له الجمهور بحماس لما قاله، وأخذ مَنْ بالمِنصة منه الميكرفون قبل أن يتم شكوته ثم ذهب. تبعه شخص من الحشد خامره شعورٌ بأن الفقير لم يكمل ما كان يريد قوله فتبعه حتى استوقفه سائلًا “ماذا كنت تود أن تقول بعد جملتك تلك؟! بعد أن أثقلت أنفاسه نهدة طويلة رد قائلًا “كنت أود أن أقول “الفقر ليس عيبًا لكنه جريمة”. 

هل تعرف ما معنى أن تكون فقيرًا؟

أن تكون فقيرًا معناه أن تعيش حياةً لا تشبهك وتأكل طعامًا لا يشتهيك، تُجبَر على السفر وتنام في بيتٍ لا يقيك مغبة شر.

إذا كان الفقر ليس عيبًا يا عزيزي فلماذا تُهان لأنك لم تجد ما تأكله عائلتك؟ لماذا تُظلم ويؤخذ حقك؟ لماذا تعمل أضعاف ما يعمله الغني وتُرهق جسمك وعقلك من أجل أجرة زهيدة قد لا تكفيك وأهلك لبضعة أيام رغم أن الغني يأخذ أضعاف ما تأخذه دون أدنى تعب؟ لماذا تغيب عن أهلك وفلذات كبدك السنوات وأنت لا تدري أتعود من غربتك أم لا؟ لماذا يلسعك الجوع ويُنْحِلُ جسمك المرض ولا يبالي بك أحد؟! لماذا ولماذا؟! أليس كل هذا سببه الفقر؟! 

إذا كان الفقر يرغم إحداهن أن تبيع عرضها من أجل دريهمات تشتري بهن ما تسد به الجوع فما العيب إذًا يا عزيزي؟ 
لقد آلمني ما يعيشه الفقراء من حياة ولست معاتبهم أنفسهم ولا لائمًا عوز حالهم ولكنني أمقت الفقر نفسه لما يخلِّفه من تعاسة وبؤس؛ فَلَكَمْ أهان الفقر نفوسًا كريمة وجرَّعهم آلامًا لا تتحملها روحٌ داخل جسد!
 
الفقير يا عزيزي شخصٌ لا يقف لمجيئه أحد ولا تلوِّح لوداعه يد، تحتقره النظرات عندما يمرق من الطرقات وتَتبَعَه الإساءات عندما تستوقفه أدنى الحوادث. الفقير امرؤٌ لا يؤبَه له إذا مرض ولا يُسأل عن سبب موته قريبٌ عندما يموت؛ فهو يعيش في هامش الحياة ويموت مُهمَّشًا أيضًا. 

أيها التائه خلف جدار الفقر! المذلة ليس أن تكون فقيرًا إلى خالقك فكل الخلق فقراء إلى الله ولكن المهانة أن تكون فقيرًا إلى عبدٍ مثلك؛ يستعبدك بأمواله ويذيقك سوء المهانة بمكانته. 

نسمع الكثير والكثير من الناس يرددون قصص عظماء _تستطيع أن تعدهم بأصابع يديك_ ليخبرونا أنهم كانوا في بداية حياتهم فقراء ثم اغتنوا ولكنهم نسوا أو على الأحرى أنهم تناسوا قصص الملايين من الناس الذين لم يسمح لهم الفقر أن يرتقوا بقدراتهم ومواهبهم إلى مستوى العظمة، أليس الفقر هنا جريمة؟! 

الفقير إذا احتدمت معركة صار حطبها، وإذا حلَّت مصيبةٌ أصبح هو مُصابها، إذا غلت الأسعار تجده الشاكي، وإذا مات عزيزٌ في الديار تجده الباكي، إنه شخصٌ يتحكم بحياته الجميع ويأمره كل من يصادفه. 

يا من قرأت كلماتي! قد تكون أنت فقيرٌ أيضًا ولكن دعني أخبرك بأمر؛ إذا لم تستطع أن تغير من الحالة التي تعيشها فحاول أن لا تجعل أولادك يكابدون ما كابدته أنت، فالعالم لا يرحم الفقراء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى