مقالات

ماذا يحصل في الدقائق القاتلة؟!

دقت العاشرة صباحًا وما زلتُ نائمًا على سريري في ذلك السكن الجامعي الذي يبعد نصف ساعة عن الجامعة مشيًا، كان امتحاني في تمام الحادية عشرة صباحًا، وكانت مدة الامتحان خمس وعشرون دقيقة لا أكثر، وأن تتأخر خمس دقائق عن الامتحان معناه عدم دخولك فتخسره. لم أكن أعرف أنه ستأتي دقائق في حياتي وأعد لحظاتها بالثواني. صرخ المنبه ينذر بقرب الامتحان وعلي أن أنهض لكنني كعادتي أغلقته غير مكترثًا بالأمر ومُمَنيًا نفسي بدقائق بسيطة قد أريح فيهن أجفان عينيَّ الناعستين والتي بقيتا مفتوحتان طيلة الليل تقرآن سطور ذلك الدرس الممل.

دقت العاشرة وخمس وعشرون دقيقة وما زال فراشي يحتضن جسدي المرمي عليه وكأنني طفلٌ صغير ينام بحضن أمه.

فجأة دخل صديقي _زميلي في الصف ويسكن معي في نفس السكن_  غرفتي وكأن خطواته المستعجلة والغير متزنة توحي بأن هناك شيئًا لابد أن نعمله على عجل فاستفزَّني تصرفه ذلك.

– ما الأمر؟!                         

قلتها ونصف عيني ما زالت مغلقة،

– لا تقل لي أنك ما زلت نائمًا .. الامتحان يبدأ بعد نصف ساعة ومسافة الطريق قد تستغرق أكثر من هذا الوقت .. هل أنت مدركٌ لهذا؟
– لماذا لم توقظني مبكرًا؟!

قلتها وعلامات الغضب بادية على ملامح وجهي.
– آتيك إلى غرفتك لأيقظك ومن ثم تلومني، أليس كذلك؟!

لم أرد عليه ولم ينبس هو بكلمة بعد ذلك سوى أن كلانا يدفع الآخر على الاستعجال. خرجنا من السكن الجامعي وكأننا نهرب من انفجارٍ سيحصل في الثواني القادمة، عينٌ على الطريق وعينٌ تراقب عقارب الساعة. دقت العاشرة وخمس وخمسون دقيقة وربما وعشرون ثانية بالتحديد.  يا إلهي!! لو أن الوقت يتأخر خمس دقائق فقط، لكن للأسف الساعة تمشي بخطًى ثابتة لا تأبه لأمنيات المتخلفين والمتأخرين.

فضَّلنا هذه المرة ركوب قطار المدينة لأنه أسرع، ونحن على متن القطار _في الطريق إلى الامتحان-  عرفتُ حينها ما معنى الوقت. وأنفاسنا تسابق بعضها ونحن في الطريق إلى الجامعة تذكرت الآية التي تقول ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(   نعم، لقد فطنت معنى كلمة “يستأخرون” وعرفت يقينًا ماذا يقصد بها الله في القرآن.

نعم .. لقد  عرفتُ وأنا أراقب عقارب الساعة لماذا أقسم الله بالزمن عندما قال: “وَالْعَصْرِ” وفهمت لماذا أتبعها الله بقوله “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ”؛ لأن الإنسان كثير الأمل قليل العمل؛ يُمنِّي نفسه كثيرًا حتى تباغته اللحظة التي لا ينفع فيها التمني فيكون من الخاسرين . 

وأنا على متن القطار الداخلي للمدينة وهو متجه نحو الجامعة عرفت أن الأشجار التي رأيتها قبل ثوان لا يمكنني أن أراها مرة أخرى إلا إذا رجع الزمن إلى لخلف، والزمن لا يعود إلى الخلف يا عزيزي، وعرفت أيضًا أن المقياس الحقيقي في هذا الكون ليس المتر أو الكيلو ولا الهكتار أو الفرسخ ولا كل تلك المقاييس التي نستخدمها في حياتنا اليومية، لكن المقياس الحقيقي في هذه الحياة هو “الزمن”، فأثمن الأشياء تقاس بالزمن كالعمر، وأكبر حدث سيحدث في هذا الكون مؤقتٌ بالزمن وهو يوم القيامة، وأصعب لحظة سيلاقيها كل حي مُقاسة بالزمن وهي لحظة الموت، وكل الأشياء الإلهية مرتبطة بالزمن؛ لأن الزمن مقياس الله؛ فنظام الكون والأقدار والأعمار يحركها الله كلها عبر مجرى الزمن. 

نظرت نحو صديقي بعد أن نزلنا من القطار وتذكرت أنني نسيت قلمي ولابد أن أستوقفه أربعون ثانية تقريبًا حتى أشتري قلمًا جديدًا  وإلا كيف سأحل الامتحان، لكنه رد عليَّ بلهجة قاسية يوبخني فيها لأنني نسيت اصطحاب قلمي، رجوت منه الانتظار لكنه أدار وجهه عابسًا وفر مسرعًا نحو الكلية التي ندرس فيها وهو يقول “اعذرني يا صديقي، لا يوجد وقت”، تذكرت حينها قول صديقي الأثيوبي عندما كنت أطلب منه بعض المرات أن ينتظرني فيأتيني رده ” إذا انتظرتك الوقت لن ينتظرني” وحقًا الأمر هكذا، الوقت لا ينتظرنا عندما ننتظر  يا عزيزي.

كل تلك الاحداث تزاحمت على عقلي وأنا ما أزال ألهث من الجري أحاول اللحاق بصديقي لتخبرني عقارب الساعة في دورانها  أمرًا واحدًا، وهو ” لا تجعل الوقت يضعك في موقف قد تخسر فيه شيئًا مهمًا في حياتك، وقد يكون ذلك الشيء هو نفسك أنت، فحدد موازينك قبل أن توضع الموازين “.

تم نشر المقال أولًا على شبكة الألوكة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى