مقالات

لكل شيء ثمن .. فما هو ثمن الثورات العربية ؟

 إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة
 فلابد أن يستجيب القدر
 ولابد لليل أن ينجلي
 ولا بد للقيد أن ينكسر

كانت أبيات الشاعر التونسي أبى القاسم الشابي هي هتافات كل الثورات العربية التي خرجت ضد الظلم والفساد الحاصل في بلدانهم حتى أسقطوا كل مستبد ولكن للأسف الشديد حدثت بعد تلك الثورات انفلات أمني في البلدان وارتفاع في الأسعار وازدادت الاضطرابات مما جعل الجميع يفكر أن الثورة هي السبب في كل هذا متمنيين لو أن الثورة لم تقم بالأصل وهم لا يفقهون أن نتائج الثورة وثمارها لا يمكن أن تُجنى بعد انتهاء الثورة مباشرةً ولا حتى بعد انتهاءها  بسنوات فتغيير نظام حكم عريق ومتكامل ليس بتلك البساطة التي تظنها يا عزيزي ولكن اعلم أن ثمار هذه الثورات حتمًا سنجنيه ولو بعد حين وستكون مصدر إلهام للأجيال القادمة التي ستخلد هذه الثورات بماء الذهب وستمجدها وتصلي لأجلها ولكن لو أن الشعوب تقاعست ورضخت للظلم والاستبداد وسمحت للفساد بالاستمرار فهذا معناه إعطاءهم الضوء الأخضر  للفاسدين بالاستمرار في امتصاص دماءهم وابتزاز كل ما يملكون ومن ضمنها الكرامة.

لو سألتني عن سبب المشاكل التي تعيشها الدول بعد الثورات لأخبرتك أن السبب هو أن جذور العائلات الحاكمة ما زال تأثيرها قويًا  مما جعل تأثيرهم المباشر على كل مجالات الدولة فتسبب هذا في المشاكل التي تشتكي منها الشعوب لأنه من الصعب جدًا أن تقتلع نظام حكم من جذوره بعد مكوثه عشرات السنوات في فترة وجيزة دون أن يكون هناك أي تأثير على البلاد بعد هذه الثورة، فلكل شيء ثمن وثمن الثورات هي الإرهاصات التي تعاني منها البلدان بعد انتهاء الثورات فترتفع الأسعار وتزداد الفوضى ويكثر التمرد ولكن أريد أن أطمئن الجميع أن هذه الاضطرابات من الطبيعي جدًا حدوثها لأن الحاكم وحاشيته بعد السنين الطويلة التي قضوها في الحكم غرست في عقولهم أن الدولة ملكهم والشعب عبيدًا لهم ولا يحق لأحد أن يسألهم عن أي تصرفٍ يقومون به مهما كان ذلك التصرف خاطئًا وعندما قامت الثورات ضدهم اشتاط غضبهم وعملوا كل ما بوسعهم للبقاء في مناصبهم أو لاستعادتها وإن كان الثمن هو دماء الشعوب.

هل دخول البلاد في أزمات داخلية دليلًا على أن الثورة فشلت؟

لو أردنا معرفة الجواب فلا نذهب بعيدًا ولننظر إلى ايدلوجية الثورة الفرنسية وطريقة تفكير المواطنين وقتها وما آلت إليه الثورة الآن. أسقطت الثورة الفرنسية نظام الحكم الديكتاتوري في فرنسا وأسست الجمهورية وشهدت فترات عنيفة من الاضطراب السياسية حيث تبنت أفكارًا ليبرالية وراديكالية تحت شعار (حرية .. مساواة .. إخاء) فغيرت بشكل عميق مجرى التاريخ الحديث وكانت محل إلهام للكثير من الثورات الأخرى كثورات الربيع الأوروبي حيث شكل هذا الربيع بحد ذات حدثا هامًا في تاريخ أوروبا كلها وتركت نتائج واسعة النطاق على المدى القريب والمتوسط والبعيد من حيث المفاهيم والتغيير وتنظيم العلاقات والتأثير في الدول والشعوب والحضارة الإنسانية فحدث  تأثيرات زمكانية مباشرة ومستمرة إلى حد بعيد وكانت سببًا رئيسيًا في إلغاء القنانة في النمسا-المجر ونهاية الملكية المطلقة في الدنمارك وإدخال الديمقراطية البرلمانية في هولندا وبدأت بعدها الدول الأوروبية عصر التقدم.

 هل نجحت الثورة الفرنسية؟

 نعم نجحت لكنها قبل أن تنجح أثرت بشكل بالغ السلبية على الاقتصاد الفرنسي، فارتفعت الأسعار، وهمّ العمال الفقراء وأنصار نادي اليعاقبة بأعمال الشغب فكانوا سببًا في إعدام ما لا يقل عن 16594 شخص باستخدام المقصلة أو خلاف ذلك من التهم المتعلقة بأنشطة مضادة للثورة وحتى أن بعض المؤرخين قالوا بأن حوالي 40000 سجين أعدموا دون محاكمة أو ماتوا نتيجة سوء ظروف السجون في انتظار المحاكمة وتزايدت الأنشطة المعادية للثورة في بعض المناطق فكان الكثير يقولون أن الثورة الفرنسية فشلت وما هي إلا مخططات خبيثة للقضاء على كيان فرنسا وإضعافها وقولهم هذا كقول شعوبنا الآن فتمنى الشعب رجوع العهد الملكي ولم يفكروا في نتائج الثورة بعد عقود من الزمن حيث تم إلغاء الحكم الملكي في فرنسا وألغيت الامتيازات وبدأ التعليم المجاني وقامت العدالة الاجتماعية. 

إذًا فالثورة الفرنسية لم تفشل وكذلك الثورات العربية  لن تفشل كما يظن البعض؛ لأن الثورة لا تُجنى ثمارها مباشرةً، ولنعلم أن الشعب إن لم يثور فالظالمون لن يتوقفوا عن ظلمهم وفسادهم أبدًا.

تم نشر المقال أولًا على موقع مدونات الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى