مقالات

قصص الحب القديمة وحقيقتها

التقيت بصديقي ذات مرة بعد ما عرف أنني أقول الشعر في بعض كتاباتي عندما يروق لي ذلك، فاستضافني إلى إحدى المقاهي التركية المشهورة في تلك المدينة للجلوس بهدوء ومناقشة بعض قصص الحب القديمة وما قاله الشعراء والعشاق فيمن يحبون، فهذا الحديث يسعده ويجد فيه بعض سلواه.

 أتانا النادل فطلبنا كأسين من القهوة التركية مع بعض المكسرات. رحبّنا ببعض ثم افتتح الحديث أن قال:

منذ الصغر وأنا أسمع عن قصص الحب القديمة كعبلة وعنترة وقيس وليلى وبعد أن كبرت سمعت عن أمثال روميو وجولييت وهؤلاء من أكثر القصص شهرة، ولكن هل هذه شخصيات حقيقية .. وهل يوجد مثل هذه القصص في الثقافات الأخرى؟

أجبته أن قلت:

– في الحقيقة يا صديقي يوجد منها الحقيقي كعبلة وعنترة ومنها المنسوج من خيوط الخيال كروميو وجولييت، فعبلة وعنترة حسب المصادر التي نقلت القصة أنها حقيقية ولكن ربما مبالغٌ فيها، وبرغم أنهما أصبحا أسطورة في الحب فقد يظن العابر أن عبلة كانت فاتنة الجمال حسب ما يصوره شعر عنترة إلا أنها لم تكن كذلك، بل كانت تُصنَّف من القبيحات، وهذا يدل على المبالغة في نقل الواقع، وهلم جرا.

أما بالنسبة للنصف الثاني من سؤالك فلا يوجد ثقافة في العالم لا تخلوا من قصص الحب الحقيقية والخيالية؛ فلو نظرت إلى ثقافة الرومان ستجد  كليوباترا ومارك أنتوني، ولو زرت الثقافة الإغريقية فستجد أساطير العشق كـأبولو ودافني وباريس وهيلين، وحتى الثقافة البابلية فستجد بيراموس وثيسبي؛ وحتى أن الكثير يقول أن شكسبير استمد رائعة روميو وجولييت من هذه الأسطورة _ بيراموس وثيسبي _، لو دخلت الهند فستسمع بـ شاه جهان وممتاز محل ولو زرت  بولندا ستجد العاشِقَينِ عالمي الفيزياء الحاصلان على جائزة نوبل ماري وبيير كوري، لا تنسى أيضًا أنك لو قرأت الأدب التركي وقصص العشق فلابد أن تسمع بـ كرم وأصلى، ولو حططت رحلك على بريطانيا فستجد قصص كثيرة كقصة الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت، وقصة بينجامين بريتن وبيتر بيرز، لا تنسى كذلك قصة هيلويز وأبيلارد في  فرنسا وبيتهوفن الموسيقار الشهير مع تيريزا مالفاتي في النمسا، القصص كثيرة ولكن لو دققت في بعضهن فستجد أن القصة إن لم تكن من محض الخيال فهي حقيقية ولكن مبالغٌ فيها.

اندهش صديقي لسماع كل تلك القصص فسألني سؤالًا آخر:

هل تظن أنهم كلهم وصلوا إلى أعلى مراتب الحب حتى يقومون بكل تلك التضحيات الخيالية؟

نظرت إليه بابتسامة تحمل في معانيها أن لا ثم أردفت قائلًا:

يا عزيزي كما قلت لك أن هذه القصص مبالغٌ فيها ولكن إن أردت جوابي فلي أبيات قلتها في هذا المجال وربما تجد فيهن إجابتك، حيث قلتُ:

أحمقٌ من قالَ يومًا  .. أن للعاشقِ عقلَ
أحمقٌ إن قال أيضًا .. أنه في الحبِّ أبلى
ها أنا في كل يومٍ  .. وأنا والحبُ قتلى

أعجبه ما قلت فابتسم قائلًا:

يعجبني شعرُك كثيرًا يا صديقي، وبالأخص ما تقوله في الحب، ألا تُسمعني بعضًا مما تكتب؟ 


شكرته لإطرائه في البداية وأخبرته أنني لست ذلك الشاعر الذي صال وجال في بحور الشعر ولكنني أقول الشعر لأروِّح عن نفسي وأُخرجُ ما يعتلج بين خلجاتي، ثم بدأت ألقي عليه قصيدة استلهمت مطلعها وقافيتها من الشاعر العراقي _متنبي زمانه_  محمد مهدي الجواهري حيث قلتُ:

جرِّبيني مِنْ قَبْلِ أنْ تَرْفضُيني .. واتركي القلبَ ربما ينتقيني
جرِّبيني مِنْ قَبْل أن تستفيقي .. فتقومي وحينها لن تريني
حاولي الآن أن تزورينَ قلبي .. يا تُرى اليوم هل لقلبي تكوني؟
ائذني لي أكون منكِ قريبًا .. فمع القربِ ربما تعشقيني
لا تحولي بين قلبي وقلبي .. واتركيني أديرُ بعض شؤوني
لو تريدين عاشقًا وحبيبًا .. فاسمحي لي أرى بعينيكِ عيني
ألأني كتمتُ حبي قسرًا .. تهجريني من بعد أن تزدريني؟
لا تظني أنني الآن أهذي .. ذروةُ الحبِّ ساعةٌ من جنونِ
ها أنا اليوم كنت قبلُ خجولًا .. أيُّ عيبٍ ترينه اليوم بيني؟
أيُّ دينٍ أراكِ فيه حبيبًا .. فحقيقٌ علي يُصبحُ ديني

استوقفني صديقي وكأنه أراد أن يقول شيئًا ما، فسكتُ وحينها قال:

كيف لك أن تقول “أي دينٍ أراكِ فيه حبيبًا، فحقيقٌ علي يُصبح ديني؟ أتكفرُ إن كانت حبيبتك كافرة؟

ضحكت لتفكيره ثم قلت:

– أما سمعت حديث النبي عليه السلام حين قال: ” المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخَالِل” ألا يقصد بالدين هنا التصرفات وطريقة العيش وليس الدين بمعنى اللفظة؟

فهم القصد أخيرًا بعد نقاشٍ طويل، ثم أكملت:

ليلةُ الأمسِ في المنامِ أتاني .. طائفٌ منكِ زاد بعض حنيني
كُنتِ في الحلمِ كالملاكِ أمامي .. وأنا حائرٌ أمام حورٍ وعينِ
خفقةُ القلبِ أوشكتْ تتلاشى .. أبسهمٍ رُميتُ أم بعيونِ
قلتُ همسًا أتقبلين حبيبًا .. أمرهُ اليوم أمرُ عبدٍ سجينِ
عجِّلي الآن بالجوابِ فإني .. نصفُ حيٍ فبالقبول اسعفيني
طال صمتي وضاق بالهجر صدري .. أرجو الآن منك أمر اليقينِ
مذهبُ الحبِّ صارمًا وجليًّا .. يا تكونين في الحبِّ أو لا تكوني

ردد بعض الأبيات شاكرًا ما قلته، ثم قال “الآن عرفتُ يا صديقي لماذا كان الأمراء يستأنسون بالشعراء في جلساتهم”  ثم قمنا من مكاننا بعد أن استمتعنا بالحديث معًا وطفنا العوالم من حيث نحن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى