مقالات

في حضرة ذات الجمال

ذات مرة بينما أنا أُقلِّبُ  عينيَّ في ذلك المكان الصاخب أصواته، أحتسي قهوتي المفضلة مستمتعًا بالمنظر من حولي، إذا بي أرى من الجانب الآخر فتاةً تترنح المشي وكأنها ملاكٌ تمشي على الأرض في هيئة بشر. لقد رأيت الجمال بكل أصنافه وأشكاله أما تلك الفتاة وعلى الرغم من بساطة ملبسها إلا أن جمالها الصارخ لا تصفه الكلمات، هيئتها وهي تكتنف تلك الملابس الجميلة كأنها جوهرةٌ اكتنزتها الأيام فخلَّدتها دُرَّة فريدةً ويتيمةً للزمان.

راودني قلمي في تخليد ذلك الجمال ببعض الكلمات فحاولت ذلك، لكنني وقفت عاجزًا أمام جمالٍ لم يخلقه الله إلا ليرينا بعضًا من آياته في خلقه، فالأشياء الجميلة تفسدها الكلمات عندما تحاول أن تختزلها المعاني؛ فالحور العين اسم له معنى ولكنه في قواميسنا لا يدل إلا على ما تخيَّلته عقولنا عن هذا الاسم، وليس الخيال كالحقيقة، ولهذا عندما نرى شيئًا جميلًا للغاية نشعر حقًا بأن الكلمات أعجز من أن تصفه وتصوره للغائب، فأؤمن حينها أن الأشياء الجميلة لا نعطيها حقها من الوصف إلا بالنظر إليها.

لا أُخفيك أنه لو نظر إليَّ وقتها شخصٌ ما لظنني زير نساء أو مراهقٌ أخرق، لكنني لستُ كذلك ولستُ ممن يحبون إطالة النظر إلى الجميلات كبعض الطاشة، فنظراتي أغلبهن خِلسة، إلّا تلك المرَّة، لقد تسمَّرَتْ عيناي على جمال تلك الفتاة النورانية وتلك الملابس الجميلة التي كانت تغطي جسمها المتناسق بدقة، فشعرتُ حينها وكأن طيفًا غزى عقلي وقلبي ليعلن عن ثورةٍ هائجةٍ من المشاعر، وكان لابد أن أقول فيها ما يقوله الشاعر في حضرة الجمال، وكانت تستحقه حقًا.

 رشفتُ من فنجان قهوتي بعضًا منها وأخذت قلمي الذي لا يفارقني ومن ثم أمسكتُ بورقةٍ بيضاء وشرعتُ أكتب:

 ألِقَتْلِنا خُلِقَ الجمالُ سبيلا؟
فَلَكَمْ رأيتُ من الجمالِ قتيلا
برشاقةٍ تبدي الحسينة وجهها 
فترى الجمال كأنه قنديلا

حاولت أن أكمل ما بدأته ببعض الأبيات الشعرية إلَا أن مشاعري كانت فيَّاضة وجامحة لدرجةٍ لا تسمح لي بالانتظار حتى أُفكر في ترتيب أبياتٍ جديدة  ثم أكتبها.  ربما لم أخبرك عن حقيقة مشاعري، فهي كالسُمّ إن لم أخرجها في حينها تفتك بجسدي حتى تكادُ تقتلني ثم لا ينقذني منها سوى بعض الحبر والورق.

بدأتُ أُقلَّبُ ذلك البيت الشعري في عقلي وأتنقل بين الكلمات لتجربة بعض قوافيه، ومن ثم قرأته لنفسي، وفجأة رأيتُ رجلًا يبدو من خلال ملامحه الهادئة أنه ذو حكمهٍ وعقل إلا أن جمال تلك الفتاة لا يُبقي للحكيم حكمته ولا للعاقل عقله، نظر  ذلك الرجل إلى تلك الفتاة الجميلة بإعجابٍ باذخٍ ممزوجٌ بالدهشة والذهول، ردَّد بصوتٍ خفيّ تلك الجملة التي وصل صداها إلى مسامعي بدون قصدٍ منه وهو يقول: “سبحان الله! ما أجملها من فتاة!!”

لم يعرف ذلك الرجل أن تصرفه ذلك أشعل في خلدي أول شرارةٍ لكتابة بعض الأبيات بعد أن كنت قد تنازلت عن ذلك، فقلتُ:

قد ضلَّ مدهوشًا يُقلِّبُ عقله 
هل مثل حُسْنكِ قد رأيتُ مثيلا؟!
أضـحى يـنـاظره يُسبــحُ ربّه
وكـــأن حُسنكِ للإلـه دليــــلا
فالحسنُ ليس بملبسٍ أو مَرْهَمٍ
الحُسْنُ أنبلُ أن يكـون عميلا

رجعتُ إلى نفسي بعد أن كِدتُ أغرق في كلماتي ثم قررت أن أنهي ذاك الخيال بعتابٍ لجمال تلك الفتاة الملائكي، ولا عجب في ذلك، فهذه أول مرةٍ أعاتب الجمال فيها, فقلتُ:

يا رُبَّة الوجه الجميل ترفقي
أم نصَّبوكِ على الجمالِ وكيلا؟
ولترحمي عبدًا يُناظرُ مــوته
فأمام حُسنكِ لن يعيش طويلا

تفقدتُ ساعتي فرأيتُ أنني أطلت بالمقام، وبعدما عرفت أن لكل شيءٍ سلطان قررت أن أغادر المكان، فكما أن تلك الفتاة سلطانةٌ على جمالها فأنا سلطانٌ على وقتي، أما تلك الجميلة فمهما أُعجبت بجمالها إلا أنه في النهاية ليس لي، ومن السذاجة أن أُتعبُ قلبي من أجل شيءٍ لا أملكه.

أخيرًا جمعتُ أشيائي ونفضتُ من المكانِ بقايا حروفي ثم ذهبتُ نحو سبيلي بعد أن سطّرتُ في قائمة مُذكرتي بأنني عشتُ تلك اللحظات في حضرة رسولٍ من رُسُلِ الجمال الإلهي، فكما للأديانِ رُسُل فللجمال كذلك رُسُل.

تم نشر المقال أولًا على موقع مدونات الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى