مقالات

في الطريق إلى عمان وجدت الإنسان

ليس لمصلحة شخصية ولا تملق لأحد ولكن ردا للمعروف وعرفانا بالجميل فناكر الجميل أحمق. 

ما ستقرأه الآن ليس مبالغا فيه بل ربما مقصرا في إيصال المعنى فأنا من عشت كل هذه الأحداث بنفسي. 

سنوات عديدة مرت في الغربة وما زال هاجس الرجوع إلى الوطن الأم يشغل البال على الدوام وقد كانت السبل شائكة؛ فالحصول على تأشيرة عبور إلى بلدي  صعبة جدا أو متأخرة الاستجابة.  فاجأتني أمور طارئة ولابد من السفر إلى بلدي في أقرب وقت ممكن.

– ما الحل يا ربي؟

اتصلت بصديق مقرب إلي  وأخبرني أن السفارة العمانية هي الحل. لم أصدق ما قال لي في البداية ولكن ما إن بدأتُ معاملاتي لاستخراج الفيزا حتى أيقنت بأن صديقي كان محقًا فيما قا. 

أرسلت للسفارة وأخبرتهم بما دعاني للسفر من أمورٍ طارئة، فتواصل بي المسؤول في السفارة بنفسه بعد أن عرَف بحالتي وأرسل لي الفيزا في فترة وجيزة لم تتعدى الثلاثة أيام، ليس هذا وحسب، بل تفاجأت برقي تعاملهم مع الجميع. 

برغم أنه بمقدوري أن أحجز  إلى أقرب مطار لبلدي إلا أنني فضلت أن تهبط بي الطائرة في العاصمة مسقط لكي أعرف أكثر عن هذا الشعب العظيم.

وأنا أضع قدمي على تراب ذلك البلد الطيب كنت أشم رائحة لم استطع وصفها سوى برائحة الإنسانية. 

لا تستعجب لو رأيتني أخبرك ببعض التفاصيل البسيطة؛ فالأشياء الجميلة تكمن في صغائر الأمور .

وأنا متجه نحو إدارة المطار لعمل تأشيرة الدخول كنت أتوقع أنني سألاقي وجوها تزدرى تواجد أمثالي كعادة بقية المطارات ولكن ليس الأمر كما هو يا صديقي فلقد وجدت قلوبا طيبة ترحب بالجميع وبكل حفاوة.  نظر الموظف نحوي ثم قال:

أراك مرهق جدا!

هززت رأسي مشيرا بالموافقة على ما قال، وبعد أن ختم الجواز ناولنيه قائلًا:

تستطيع أن تستريح في الطابق الثاني، هنالك ستجد مكاًنا للراحة أخي الحبيب.

شكره قلبي لإحساسه بحالتي ولسان حالي يقول: “ليت الجميع مثلك” 

 ذهبت أسأل عن الحافلة التي ستقّلني إلى بلدتي، وبينما كنتُ أجوب الممرات بحثاً عن محطة الحافلات إذ برجل يستوقفني فجأة، فسألني مبتدرًا :

–   أظنك تبحث عن شيء ما؟

أخبرته أنني أبحث عن محطة الحفلات.

لم يخبرني يا صديقي، ولكنه عمل ما هو أكثر؛ لقد اصطحبني حتى أوصلني إلى المحطة نفسها ثم استوصى بي رجل آخر مهتم بتنظيم الحافلات ومن ثم أملى علي رقم هاتفه؛ ربما احتجته في أمر آخر.

أين تجد أمثال هؤلاء يا صديقي؟!

وصلت الحافلة فسمعت صوتا كان صوت المسؤول عن المحطة يخبرني بأن الحافلة تنتظرني. 

أتاني ليساعدني في حمل بعض أشيائي ثم بدأت الحافلة تجوب الطرقات.

لن أخبركم بكل شيء فالوقت لن يسعفني لشرح التفاصيل،  ولكنني وصلت المكان الذي كنت أقصده، وكنت حينها جائع جداً. 

ذهبت إلى ذلك المطعم الذي دلني عليه سائق الحافلة بعد أن تعرفنا على بعض في الاستراحة الأولى، وبينما كنت آكل رآني رجل ذو وجه بشوش.

كان بجانبه شاب آخر يتبادلان النكات بينهما فلا أرى إلا الوجوه تبتسم والضحكات تعلو المكان. لمحني الرجل ذو الوجه البشوش وكنت وقتها  آكل وجبة العشاء  ولأنني لوحدي لم أحب أن  أطلب الكثير من الأكل فظن الرجل أن الحاجة هي ما دعتني لذلك فإذ به يناديني طالبا مني مشاركته الطعام فاستغربت لذلك، فهو لا يعرفني ورغم ذلك يدعوني للطعام. 

شكرته ممتنا لطيبته وأخبرته أن لدي من الأكل ما يكفيني لكنه أصر على مشاركته الأكل. 

أكلنا معا وتعرف علي ورحب بي وفجأة يقسم أنه من سيدفع الفاتورة.

أحببت الحديث معه ومع رفيقه فجلسنا معا وشربنا الشاي ومن ثم يقسم مرة أخرى أنه سيوصلني حتى محطة الباصات. 

وصلنا وها هو مرة أخرى يذهب فيشتري الماء وبعض البسكويت فيحظره ليهبني إياه ومن ثم يستوصي سائق التاكسي بي وكأنني أخيه الأصغر.

يا له من شعب عظيم، فليس هو فقط من يتعامل هكذا، فالجميع هم هذا الرجل.

وصلت المنزل بعد سفر طويل ومن ثم بدأت أمي تسألني:

– كيف وجدت  عمان يا ولدي؟

أجبتها ممتنا :

– جميلة كجمال أهلها. هنالك وجدت نفسي يا أمي؛ ففي عمان وجدت الوجوه البشوشة والقلوب الطيبة، تشعرين وكأنك وسط زمرة من أهلك لا ينتابكِ الشعور بالغربة أبدا.

في عمان وجدت الموظف البسيط  والمسؤول الكبير كلهم يعاملونني بنفس الطريقة لا أحد يرى نفسه أعلى من الآخر أبدا. 

تم نشر المقال أولًا على صحيفة اليوم الثامن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى