مقالات

في أول يوم دراسي

  إنها بداية السنة، أخيرًا سأذهب إلى الجامعة ، لا أعرف كم من الأموال خسرتها عائلتي حتى حصلت على مقعد في هذه الجامعة التي كنت أحلم بها.  كنت أفكر “هل سأحقق لعائلتي الحلم الذي أخبرتهم به؟” كان حلمي أن أكون طبيبًا نفسيًا أتحدث لغة الإنسانية. 

دخلت الصف أحاول تحاشي نظرات الحاضرين. لا أعرفهم، كيف لي أن أبتسم لمن لا أعرفه، صعب القيام بذلك. لم أنظر نحو أحد وظللت أتقدم ونظري  على قدماي حتى وصلت نهاية الصف حيث وجدت كرسيًا فارغًا أجلس عليه. دخل دكتور المحاضرة فعمّ السكوت في القاعة. كنت اشعر بتوتر الجميع وكان  ذلك باديًا على وجوههم، عدا أولئك الذين أتوا بصحبة أصدقائهم فقد كانوا يتهامسون إلى بعضهم ويبتسمون بغية طرد التوتر.

بدأ الدكتور المحاضر يتكلم:

– مرحبًا بالجميع، أهنئكم على اجتيازكم لمرحلة الثانوية العامة بنجاح ودخولكم الجامعة. لقد أصبحتم منذ اليوم طلاب أكاديميين.

كان البعض يشعر بالفخر لما قاله الدكتور وأضنني منهم. استطرد الدكتور في الحديث قائلًا:

–  بالمناسبة، أنا مدرس مادة علم النفس. وقبل أن أبدأ في الحديث عن هذا العلم دعوني أخبركم بحقيقة ثابتة، وهي أن أي مرض عضوي سببه مرض نفسي، بهذه الطريقة يمكنكم تخيّل مدى  أهمية هذا العلم. يسرني قبل أن أبدأ العام الدراسي أن أختبر مدى قوة خيال طلابي الذين سأدرسهم طوال العام. سأسألكم سؤالًا وأريد كل شخص منكم أن يجيب عليه باستخدام مخيلته.

سكت الدكتور للحظات كان يرتب فيها بعض أوراقه بينما جمح تفكيري نحو الماضي، حيث أخي الذي مات في السنة الماضية، مات لأنهم لم يراعوا حالته النفسية، لقي مصيره هناك لأن من استقبله من الأطباء كانوا يتعاملون مع المريض على أنه جسم بلا روح، يتعاملون مع الجراح الخارجية لا الجراح الداخلية، يقرأون الجلود ولا يقرأون الأرواح . كدت أبكي لولا أن صوت الدكتور المحاضر قطع تفكيري قائلًا:

– لو أن العلم منحك أمنية واحدة لتحقيقها في سبيل علم النفس فماذا ستختارون؟ فكّروا جيدًا وسأسمع إجابة كل واحدٍ منكم.

بدأ من الصف الأول وذكر كل واحدٍ منهم أمنيته، فالبعض قال أنه يتمنى وجود جهاز مضاد للأفكار السلبية، وآخر يتمنى آلة سحرية لمسح الأفكار والمواقف السلبية كاملة من عقل الإنسان، وهكذا ظلّ كل واحدٍ يسرد أمنيته حتى وصل إليّ. عرفته بنفسي أولًا ثم بدأت أجيب على سؤاله، فقلت:

– أنا لا أطلب مستحيلًا، ولكن أتمنى لو بإمكان العلم اختراع آلة يمكنها نقل الحالة النفسية للمريض إلى الطبيب نفسه، حتى يشعر بما يشعر به المريض فيسهل عليه معالجته والتصرف معه.

نظر الطبيب نحوي منبهرًا وكأنه ما توقع سماع  مثل هذه الأمنية. التفت الطلاب أيضًا نحوي مندهشين. احمرّ وجهي وكادت عيناي تطفر بالدمع لولا أن صوت أحد الطلاب الجهوري لفت الأنظار نحوه  قائلًا: “أمنية جميلة” .

ضحك الصف لمداخلته مما أعطاني فرصة لترتيب ما سأقبل على قوله. ربّت المعلم على كتفي ثم سألني عن السبب فقلت:

– نحن نعيش في عالم موحش، عالم الماديات فقط، الإنسانية غائبة والمشاعر بالكاد تكون موجودة. تذهب إلى الطبيب تشتكي من ألمٍ في المعدة فيعطيك علاجًا للقرحة في حين لا يسألك عن سبب ذلك المرض، أهو توتر، أهي حالة نفسية تعيشها. لا أحد يسألك عن حالتك النفسية  في هذا العالم، معظمهم إن لم يكن الجميع ينظرون إلى المريض وكأنه آلة، يهتمون به فقط عندما يلحظون عطلًا واضحًا أمامهم . لا أريد أن يستمر هذا العالم المادي أريد عالمًا آخر، لا اعرف كيف سيكون ولكني لست راضيًا عن هذا العالم الذي نعيش فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى