مقالات

غريبٌ كغريب كامو

غريب ألبير كامو

أقرأ عن الكتّاب والعظماء فأجد معظمهم إما قريبًا للكاتب الفلاني الذي ذاع صيته في الشرق والغرب، أو أمه ابنة الجنرال الفلاني الذي غزا الدولة الفلانية وعاد ظافرًا بالنصر ، أو أن والده كان وزيرًا في الدولة أو مديرًا لمؤسسة رسمية كبيرة ..إلخ. أصل إلى شخصي أنا، ها أنا في بداية مسيرتي الأدبية وها أنا أعاهد نفسي أن لا أترك هذا الدرب مهما جارت عليّ الظروف وتداعت عليّ أرزاء الزمن.

 أعرف أن أبي لم يكن كاتبًا كبيرًا أو مثقفًا مرموقًا لديه مكتبة ضخمة تزخر بالكتب العريقة ذو العناوين الرنانة، فقد عاش فلاحًا بسيطًا ومات موتة البسطاء، فغادر هذا العالم وليس في بيته سوى قرآنٌ شبه ممزق، قيل أنه أخذه قبل سنواتٍ من جامع القرية ليقرأ القرآن منه في البيت، وأما أمي فلا أستحي أن أقول أنها لا تعرف القراءة ولا الكتابة ولا حتى تعرف أن تكبس على زر الهاتف للرد عليّ عندما اتصل بها، أخوتي كذلك ليسوا جنرالات في الجيش أو موظفون كبار، فكلهم بسطاء جدًا لدرجة أن أحدهم قد تصيبه الفاقة إذا تقاعس عن عمله لأكثر من شهر كامل، ولا أبالغ إذا قلت أسبوع ربما.

لا أقرباء لي ليشهدوا لي أمام هذا الجيل المهووس بالمناظر إني من عائلة ثقافية مرموقة، فعائلتي كانت تلومني لأني أقرأ كتبًا غير كتبي الدراسية، وكانت تقول إني أقرأها فقط حتى أتهرب من بعض أعمال الأسرة في القرية، هذا رغم إني كنت لا أقرأ إلا في أوقات استراحتي ومذاكرة دروسي فقط؛ وهي من بعد صلاة العصر حتى قبل النوم، هذا طبعًا إن لم تطلبني أمي لجلب بعض حاجيات المنزل من الدُكّان الذي يبعد عن قريتي نصف ساعة مشيًا والذي يتحتم عليّ حملهم على كتفي حتى أصل.

ليس لدي أصدقاء كتّاب أو شخصيات كبيرة قد تعينني في مسيرتي الكتابية بتشجيعٍ بسيط أو تعرفني على دار نشر عند الحاجة إلى ذلك أو حتى تقرأ لي كتابًا عند صدوره وترسل لي رساله بأن ما كتبته جميلًا مع إظافة بعض الملاحظات، لن يقول أحدهم عني  يومًا كان صديقًا للكاتب الفلاني، فمعظم أصدقائي لا تهمهم الكتابة ولا الأدب، وأما حياتهم فبسيطة أيضًا لدرجة أنهم يتصلون بي ما بين فترة وأخرى إما لأخذ سلفة مالية أو للسؤال ما إن وجدت لهم على عملًا يكسبون من ورائه القليل من المال حتى لا يحتاجون إلى الآخرين في تلبية حاجيات العيش الضرورية.

لم يترك لنا والدي ثروة كما فعل نيكولاس لتولستوي أو كما فعل والد رينيه ديكارت لديكارت نفسه، حيث وهبتهم تلك الثروة عيشةً كريمة هادئة مكّنتهم من الانزواء عن العالم لمطالعة الكتب وقراءة فلسفات الحضارات الأخرى وما ورّثه كبار الفلاسفة من ذخر أدبي وفلسفي دون الحاجة إلى العمل.

 زوجتي ليست ابنةً لشيخ كبير ولا من عائلة ارستقراطية بحيث يمكنني القول أن من ورثها أستطيع تكوين مشروعٍ بسيط يمكّنني من العيش دون الحاجة إلى العمل مع الآخرين، فعائلتها بسيطة كما عائلتي تمامًا لا أقل ولا أكثر.

ليس لدى بلدي حكومة لأنتظر منها تشجيعًا، ولا وطنٌ لأفتخر بمنجزاته في كتاباتي، فقد ولدت في زمنٍ كله حروب مذهبية وعرقية وانقسامات مناطقية، والتفكير في مساندةٍ طرف من هذه الأطراف ليس إلا انتحارًا أدبيًا وفكريًا بحد ذاته، لذا لم يعد لي وطن سوى الكتابة والكتب، فأنا هنا غريبٌ كغريب كامو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى