مقالات

عندما يصبح الجهل موهبة

وأنا أمشط صفحات بعض الكتاب والأدباء على مواقع التواصل الاجتماعي ألاحظ كم هائل من الانتقادات السلبية التي لا تدل إلا على جهل من يكتبونها. للعلم فقط، الكاتب ليس مجبرًا على أن يكون كما يهواه البقية، الكتّاب ليسو ثابتي الآراء والأفكار على مر الزمن، فآراءهم تختلف كلما تقدم بهم العلم واتسعت دائرتهم المعرفية، وخصوصًا عندما ينغمسون في الثقافات الأخرى ويدرسون مجالات عدة ويكتشفون أشياء جديدة.

تولستوي رغم عبقريته وشخصيته الفذة، والذي يعتبره الكثير من أفضل الأدباء على الإطلاق إلا أنه كان في اضطراب دائم، كان قسيسًا أحيانًا وأحيانًا ملحدًا.. يحب محمدا مرة وأخرى يحب شوبنهاور ونيتشه، مرةً يمجد الحياة وأخرى يفضل الهدوء.


يقول في كتابه “اعتراف” لقد كنت في بداية حياتي أركض وراء الشهرة والغنى وكنت أكتب لكي أرضي الجمهور، ولكن ما إن حصلت على كل ذلك حتى بدأت أشعر أن الحياة لا تطاق.

تولستوي العبقري تزوج حتى يكون عائلة ويشعر بالهدوء والسعادة ولكن بعد زواجه شعر أن العائلة ليست السعادة المنشودة ما دام عقله هائمًا في بطون الكتب. كان يتساءل عن سبب تعاسته أو لنقل سبب اضطراباته الداخلية، فيقول أن السبب هو بحثه الدائم وتوسعه في العلوم، حيث يقول أن الجاهل هو أسعد الناس.

الكتّاب قد تتقلب أفكارهم وهذا طبيعي للغاية، ومن لا تتغير أفكاره يُعتبر كقطعة من الجليد لن تصبح صالحةً للشرب إلا إذا أثرت فيها حرارة بدرجة معينة حتى تذيبها، هكذا هو الكاتب الحقيقي، ذاك الذي تهصره الكتب، وينسجم مع الحبر الذي يكتب به. ذاك الذي ظل ردحًا من الزمن ولم تتغير أفكاره البتة فهو لم يتعلم شيئًا أو أنه لا يريد التعلم .


الغزالي كان عالم دين في بداية حياته، ثم توسع في العلوم فأصبح فيلسوفًا فتحدث عن الدين من منظور فلسفي فزندقه الكثير على فلسفته التي نبجلها اليوم، ثم توسع في العلم فأصبح صوفيًا.

في زماننا المجتمع يريد كاتبًا حسب هواه.. فالمتدين لا يريدك أن تعطي رأيًا في الدين، والسياسي ينتقدك إذا قلت شيئًا عن الجماعة التي يساندها، والمتشدد لا يريدك أن تخبره عن حقائق المجتمع وما يحدث خلف الأبواب المؤصدة، فتكتشف في نهاية المطاف أنك كاتبًا فقط عندما تكتب لما يروق للآخرين.

حتى يعرف الجهلاء، الكاتب ليس مجبرًا أن يكون تلك الأفكار التي يخبئها عقلك، فقلمه ليس سوطًا يضربك به، فهو لا ينشد الكتابة إلا من أجل الكتابة وأنت إذا أردت مناقشته فناقش القضية للقضية والفكرة للفكر ، ومن يخلط بين شخص الكاتب وقلمه فهو جاهل معلوم الجهل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى