Uncategorized

بدايتي مع الكتب

في الحقيقية لم أكن قارئًا يومًا ما. بل كنت أشعر أن القراءة مضيعة للوقت لا أكثر. للأسف، لقد كنت مخطئًا في حكمي القرّاء، فبعد أن انغمست في الكتب تغيّر تفكيري تمامًا عن القراءة.

في إحدى الأيام وأنا  أراجع نفسي .. كيف حدث كل هذا التغيّر؟   أذكر في فترة من الفترات أني كنت التقي بأصدقاء، كانوا من القرّاء الجيدين، ولن اقول أنهم قرّاء نهمين. انخرطت بهم لفترة ويا لها من فترة جميلة. عندما كنا نذهب لشرب الشاي في إحدى الكافيهات كانوا دائمًا ينخرطون في نقاشات أحيانًا ثقافية وأخرى فكرية، وبعض الأوقات يعرجون على السياسة.

لا أنكر إني كنت أشعر بالنقص معهم، فقد كانوا يتحدثون عن مصطلحات وأحداث وأسماء شخصيات لا أعرف عنها سوى أن لها تأثيرها الكبير على هذا العالم، وجهلي بكل هذا كان يضايقني كثيرًا.   كنت أعرف بعض ما يتحدثون عنه، ولكن كانت معرفتي سطحية. فقد كنت أشعر بسذاجة ما أقوله عندما أحاول مشاركتهم الحوار.

بدأوا يتحدثون عن عالم الكتب، كروايات تولستوي وإرنست همنغواي، ومسرحيات شكسبير وفلسفة أفلاطون وأرسطو وسياسة ابن خلدون وأفكار نيتشه ونظام ديكارت ومبدأ سبينوزا وعبقرية عمر ناهيك عن ثقافات الأديان وسياسات الأحزاب المشهورة في العالم وغيره.   في ذلك اليوم شعرت بملل لا يطاق، أحسست أنه حان الوقت لأتغير وأعرف ما حدث وما يحدث من حولي . استأذنتهم وخرجت مسرعًا باتجاه سكني.

دخلت محرك جوجل وبدأت أبحث عن معاني تلك المصطلحات ومن تلك الشخصيات وما هي تلك الأحداث، وفي كل مرةٍ كنت أبحث عن موضوع ما كنت انقاد لا إراديًا إلى مقال آخر أو ينبثق أمامي اسم كتابٍ فاقرأه وهكذا.   ظللت عاكفًا على الكتب ليل نهار. في كل يوم أقرأ فيه كنت أشعر بمدى جهلي ومدى حاجتي إلى القراءة أكثر وما زلت أشعر بهذا الشعور حتى اللحظة. كنت اقرأ أحيانًا أكثر من كتاب في اليوم الواحد. ظللت مع الكتب لسنوات، ولم أدر بنفسي إلا عاشقًا لها، متيمًا بما يخطه أصحابها بين دفتيها.  

في إحدى الأيام أرسل إحدى الأشخاص الذين كانوا يريدون الانخراط في عالم الكتب قائلًا “أريد أن أكون قارئًا .. كيف أعمل؟”. ما كان يعلم أني ما عشقت الكتب إلا بعد أن قضيت سنوات طوال، أجالسها النهار وأسامرها الليل. ما كان يعرف أني ما عشقت إلا بعد أن تنازلت عن أشياء أخرى، تنازلت عن بعض متعي، كمتعة البقاء على مواقع التواصل الاجتماعية، ومتعة الخروج مع الأصدقاء والجلوس على طاولات اللعب، لقد أنقذت وقتي الذي كان يُهدر دون أي فائدة وشغلته بالقراءة. لم يكن صديقي ذلك يعرف أن أي إنسان لكي يكون عاشقًا للقراءة لابد أن يكون هناك سببًا ودافعًا يدفعه لكي يقرأ. كرغبة التعلم، رغبة المعرفة، الشعور بالعجز، الشعور بالجهل .. الخ.  

حكيت لصديقي قصة الشيخ أحمد ديدات حيث أخبرته أنه لولا سخرية بعض زملائه الذين تأثروا بالبعثات التنصيرية  من الإسلام ومن حياة الرسول محمد لما انكبّ على الكتب ولما صار هذا الشيخ الكبير الذي ذاع صيته في الشرق والغرب. لقد انكبَّ على الكتب لأنه وجد الدافع لذلك وهي سخرية الآخرون من دينه وشعوره بعجزه عن الرد.

  بعد أن عكف ذلك الشخص على القراءة، صرنا أصدقاء. كنا نتناقش في كل شيء. كنت أتحدث إليه أكثر مما أتحدث إلى أهلي، فهو الوحيد الذي كنت أشعر أن الحديث معه ليس مضيعةً للوقت. كان يكتب لي عن رأيه في قضية ما وعندما أجد الوقت للرد عليه كنت أفعل وأكتب رأيي في تلك القضية أيضًا.  

بعد أن أصبح قارئًا نهمًا شكرني ثم قال: ” حقًا، إن القراءة تُحررنا من أكبر القيود التي تعيق تقدم حياتنا، إنها تحررنا من تلك الحواجز التي تعيق تفتق عقولنا ورقي تفكيرنا، أعترف إني مدين لك وللكتب وسأضل مدين لهن حتى النهاية.”  

أخبرته إني أيضًا مدين للكتب، فهن من يصنعن العقول ويقمن الحضارات. لذا اقرأوا أكثر فالقراءة ستجعل منكم أشخاص آخرون. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى