مقالات

اليمنيون الأتراك (Yemen Turkleri)

عندما نسمع اسم “الدولة العثمانية” أول شيء قد يخطر على بالنا هي كلمة (أتراك).ما هي الدولة العثمانية؟! تأسست الدولة العثمانية بتاريخ 1299 على يد السلطان عثمان الأول  واستمر حكمها حتى عام 1924م لتنتهي فترة الحكم مع آخر سلاطين الدولة العثمانية وهو السلطان عبد المجيد الثاني، أي حكمت الدولة العثمانية قرابة الستمائة عام، في خلال تلك الفترة الطويلة من الحكم امتدَّت الدولة عندما بلغت أوج عظمتها وقوَّتها من المجر شمالًا إلى الحبشة جنوبًا (ما يُعرف بالصومال حاليًّا)، ومن المغرب الأوسط (الجزائر حاليًّا) غربًا إلى أذربيجان شرقًا (بعض أنحاء مُحافظة أذربيجان الشرقيَّة في إيران حاليًّا).

من بين تلك الأراضي التي وصلت إليها الدولة العثمانية هي اليمن.قبل التطرق إلى قضية اليمنيين الأتراك دعني أُذَّكركَ أن الأتراك بحجة تمدد الخلافة العثمانية إلى أقاصي الأرض قد جعلتهم متواجدين في الكثير من البلدان وخصوصًا شبه الجزيرة العربية بحكم أنها مركز الإسلام، لذا ليسوا متواجدين في اليمن فحسب ولكن سنتحدث هنا عن اليمنيين الأتراك فقط. حَكَمَتْ الدولة العثمانية أرض اليمن قرابة أربعة قرون على فترتين متفاوتتين، حيث بدأت في القرن السادس عشر الميلادي في عهد السلطان سليمان الأول “القانوني” والذي بلغت الدولة العثمانية  في أيَّامه أعلى درجات الكمال والازدهار وخرجت اليمن من حكم الدولة العثمانية في عهد السلطان محمد الخامس سنة 1911 ميلادي.خلال تلك الفترة تعلَّق الأتراك بأرض اليمن أيَّما تعلق فتكيَّفوا مع مناخها وأحبَّوا أهلها، فقاموا ببناء المساجد وحفروا الآبار وحتى شيدوا العديد من الحصون والقلاع والتي ما يزال بعضها صامدًا حتى اللحظة.

كان الأتراك قديمًا يشدّون رحالهم إلى أرض اليمن وكان لذهابهم عدة أسباب؛ البعض منهم كان يذهب بأمر من السلطان _ حاكم الدولة العثمانية _  للقيام ببعض الأعمال الخاصة بشؤون الدولة، فقد كانت اليمن لها اهتمامها الخاص لدى السلطان العثماني؛ لأنها من منظور عاصمة الخلافة العثمانية تمثل حزاماً أمنياً للحرمين الشريفين، إذا ما سقطت فإن بسقوطها يسقط الحرمان الشريفان، لذا كان السلطان يقوم بإرسال القوات الإسلامية العثمانية إلى اليمن لحمياتها من الغزو الخارجي، البعض الآخر كان مجيئهم إلى اليمن ناتجًا عن حب لشبه الجزيرة العربية والتي تعتبر اليمن جزءًا منها، فشبه الجزيرة العربية لها مكانة خاصة في قلوب الكثير من الأتراك حتى اللحظة فهي تعتبر أرض مباركة ومقدسة هبط فيها الوحي الإلهي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعاش فيها جلَّ صحابته الكرام، من هنا كان مجيء العثمانيين إلى اليمن وإقامة البعض منهم فيها بلا عودة إلى وطنهم.

لو تساءل البعض عن أسباب عدم عودة البعض منهم إلى وطنهم لذكرنا الآتي؛ أولًا: بُعد المسافة بين تركيا _مركز الدولة العثمانية_ وبين اليمن والتي كان المسافر يحتاج حينها إلى أسابيع طويلة من المشقة والتعب للوصول إلى وطنه وهو لا يعرف هل سيصل سالمًا أم لا، فبعضهم كان يهلك في السفر قبل أن يصل إلى المكان الذي يريده، ثاني الأسباب لاستقرار الأتراك في أرض اليمن هو تقارب الثقافتين _التركية واليمنية_ مما سهَّل للأتراك التعايش مع اليمنيين وتزوجهم من عائلات يمنية حتى تكونت معها حياتهم الخاصة واستقرارهم فيها، أما السبب الثالث والرئيس في استقرار الأتراك حينها في أرض اليمن هو بساطة المواطن اليمني وطيبته وحسن كرمه للغريب وهذه الصفات ليست بجديدة على اليمنيين فقد كان يشعر المواطن التركي بقربه منهم وبقيمته بينهم مما شجعهم على المكوث في اليمن، هناك أسباب أخرى لكن هذه أبرز الأسباب.تكاثَر الأتراك في اليمن وازداد نسبة مصاهرتهم للعائلات اليمنية حتى تعدى عددهم الآلاف، والذين تكاثروا فيما بعد حتى وصل عددهم حاليًا  قرابة العشرون ألف شخص أو ربما أكثر.

أبناء أولئك الأتراك الذين كانوا يعيشون في اليمن والذين يحملون الجنسية اليمنية يُسمَّون حاليًا بـ (اليمنيون الأتراك).اهتمت الدولة التركية الحديثة بأصولهم التركية _أحفاد الأتراك الذين هاجروا قديمًا_ أيَّما اهتمام، فكانت وما زالت تتفقد أحوالهم وتزور بعض أماكن تكتلهم بوفود رسمية من قبل قيادات الدولة التركية الحديثة، وحتى قدمت الدولة التركية العديد من التسهيلات لدخولهم الأراضي التركية، فأعطت الحق في امتلاك الجنسية التركية لكل فرد يثبت انتمائه إلى أصول تركية ولو كان ذلك قبل قرون.هناك مجموعة أخرى من اليمنيين الأتراك لا توجد لديهم ما يثبت أصوليتهم التركية لكن الآثار في تلك الأماكن التي يعيشون فيها والمخطوطات التي عليها باللغة العثمانية تشهد على ذلك، وحتى أسماء أجدادهم التي تعود إلى سلالات تركية تثبت أنهم حقًا من أصول تركية.

هناك الكثير من الأتراك العثمانيين لا تعرف عائلاتهم التركية مصيرهم حتى اللحظة، فقد حاولت تلك العائلات البحث بالتواصل مع السلطات اليمنية ومع بعض اليمنيين المتواجدين في تركيا  لمعرفة مصير أجدادهم الذين لم يعودوا إلى عائلاتهم، طبعًا في النهاية وصل البعض منهم إلى نتيجة والتقت العائلات، ولكن البعض الآخر  لم يصلوا إلى نتيجة محددة، فقد أدى انخراط الأحفاد فيما بعد بالعائلات اليمنية وقيام البعض منهم بتغيير لقب العائلة _استجابة للمجتمع الذي يعيشون فيه_ وهذا ما أدى إلى ضياع الأصول مع الأسف.ما نستفيده في النهاية من هذه الحادثة هو  أن الله تعالى خلقنا شعوبًا وقبائل لنتعارف ونتعايش ونتعاون، وكل هذا ليس إلا من أجل استمرارية الحياة وحتى يعم السلام في الأرض، فالأخ ذو المبادئ السليمة لا ينسى أخيه ولو بعد زمن عتيق” .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى