مقالات

التدوين الحر وأسباب ظهوره

  فقيرٌ يريدُ أن يقرأ، ولكن لا يجد قيمة ذلك الكتاب، كاتبٌ يريد أن ينشر ما يكتبه، ولكن ليس لديه المال الكافي لطبع ما كتبه، فجأة ظهرت فكرة المدونات والتدوين، فحلَّت مع مجيئها الكثير من مشاكل القُرَّاء والكُتَّاب التي تواجههم.

  أعرف أنه مع ظهور التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح الكثير من الناس مُسيَّرين بشكلٍ ملحوظ في إدارة أوقاتهم، وهذا شيءٌ مؤسف جدًّا، فلم يعد الواحدُ منا يجد وقتًا لقراءة أسطر بسيطة من كتاب ورُقي ملموس، وأصبح جُلُّ وقتنا مع الأسف تائهًا بين أزرار أجهزتنا الإلكترونية ونوافذها.

  ألوم الكثير منا وأنا واحدٌ منهم على تقصيرنا وتجاهلنا للقراءة اليومية الملموسة، ويرجع هذا التجاهل إلى الكثير من الأشياء، أكثرها تأثيرًا هو ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وانغماس العديد منا فيها بشكل كبير جدًّا؛ مما أثَّر بشكل واضح على معدل القراءة لدينا، ومما أدى إلى ظهور ما يسمى بعالم التدوين.  

لو تتبعنا تاريخ المدونات ومدى تأثيرها، للاحظنا أنها تجاوزت موضوعات الترفيه والاتصال والتواصل، فالمدونات أصبحت اليوم تؤثِّر بشكل ملحوظ في الحياة الاجتماعية الحديثة، وأنا أرى أنه لا بد أن يُنظر إليها على أنها نجاح عالمي لمحاربة الجهل ولجمع الثقافات والآراء، وليس مجرد تقدُّم وابتكار تكنولوجي، فأنا شخصيًّا أعرف العديد من الأفكار الرائعة والاكتشافات المذهلة التي بدأت من تحت عنوان يسمى بـ“التدوين”.  

التدوين يعتبر الطريق الأقصر لإيصال المواهب الأدبية والفكرية والعلمية التي لم يسمح لها المعوقات الشخصية بالظهور؛ كالفقر، وتحكُّم بعض دُور النشر، والصُّحف، فالتدوين يمتاز على غيره من الوسائل أنه فكرة معاصرة قابلة للتناول والتبادل؛ حيث تقوم المدونات بمناقشة القضايا مباشرةً قبل أن تهدأ جَذوتها وتَخمد نارها، فيعرف الجميع ما يدور حولهم.  

لو نظرت إلى التدوين بصورة عابرة، فلن تلاحظ فوائده، ولكن لو جئنا إلى الحقيقة لوجدنا أن التدوين يعود بالفائدة على القارئ والكاتب والباحث، ومن يبحث عن الشهرة، وحتى على الناس العاديين؛ فمن فوائد التدوين تطوير المهارات لدى الكُتَّاب المُبتدئين، وصقل مهاراتهم، وإيصال أفكارهم التي لم يستطيعوا إيصالها إلى الآخرين بأنفسهم، والتدوين أيضًا هو الطريق الأقصر للشهرة؛ فإذا أردت أن تكون كاتبًا مرموقًا يُشار إليه بالبنان، فيجب عليك أن تقرأ الكثير، وأن تكتُب الكثير أيضًا، فطالما أنك تكتب، فالناس ستعرفك، وستبدأ تبني شبكة قوية من العلاقات سواء على شبكة الإنترنت، أو على أرض الواقع.  

لو أنك باحث ومطالع لِما يكتبه الآخرون، فستكون وقتها مُتمرِّسًا للحصول على المعلومات المطلوبة بشكل أسرع، والوصول إلى هدفك بطرق أقصر.   قد يتساءل عامة الناس: “ما الفائدةُ بالنسبة لي أنا ذلك القارئ العابر؟ سأقول لك: إنك أكثر من يستفيد هنا، فلو كنت قارئًا عابرًا، فستجد أنك تقرأ في دقائق بسيطة خبرة أُناس تعبوا كثيرًا حتى كتبوا ما أنت تقرأه، فمع القراءة المتواصلة ستجد أن ذاكرتك تتحسن وأفكارك ترقى، وستجد نفسك مع كثرة القراءة و  

مرور الزمن باستطاعتها أن تناقش قضايا كبيرة، وأن لديك القدرة على استخدام المفردات واستحضار الكلام المطلوب في الوقت المطلوب.   أن تدوِّن بشكل دائم معناه أن تصبح خبيرًا في يومٍ ما، فمعرفتك لأفكار الآخرين وما يهتمون به، يجعلك تعرف الأشياء التي تؤثر فيهم، وتستهوي عقولهم، وهذه سياسة لا يجيدها إلا ذوو الأقلام الراقية التي تعرف متى تكتُب، وأي القضايا تتناول، فالأقلام التي تجفُّ يومًا وتخضرُّ يومًا آخر مصيرها إلى النسيان!  

الآن هو الوقت لتحقيق ذواتنا، فالتدوين ليس طريقًا للتعبير عن الذات فقط، بل إنه طريق لتحقيق الذات واكتشافها أيضًا، فلكي تُحدِث الفرق في حياتك لا بد أن تترك إرثًا من المعلومات المفيدة، ورصيدًا جيدًا لك؛ حتى يجعل الآخرين يذكرونك به يومًا ما، وستنبهر حتمًا بما سيحقِّقه لك من مفاجئات كثيرة في حياتك، فستجد أنك صرتَ شخصًا آخر لديك أصدقاء يحترمون وجودك، ويتمنون اللقاء بك دون أن تعلم، وهذا سببٌ كافٍ لكي تقرأ أكثرَ وتكتُب أكثر.

المقال نُشر أولًا على شبكة الألوكة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى