مقالات

الأرملة وأولادها الثلاثة

كان هناك ثلاثة شبان لأم مسكينة يعملون في مزرعةٍ وافرة الخضرة والثمر، يرددون الأهازيج بسعادة.

وقف الأول والعرق يتصبب من جبينه فرفع بصره نحو السماء التي كانت حينها ملبدة بالغيوم ثم انحنى مرةً أخرى للعمل.

لم يمضِ سوى القليل من الوقت حتى بدأت السماء تمطر بغزارة وأصوات الرعد يملأ الوادي. عاد الشبان الثلاثة مسرعين نحو دارهم المتواضع الذي توارثوه من جدهم. كان هناك بعض الأخبار تقول أن جدّ الشبَّان الثلاثة كان غنيًا جدًا ومن المًحتمل أنه قد تركَ خلفه كنزًا داخل ذلك الدار المتواضع والدليل على ذلك أنه  منع زوجته من ترك ذلك الدار أو بيعه مهما كان الثمن وربما أخبرها بمكان الكنز أيضًا، والأم بدورها اتبعت وصيته وقضت جُلَّ عمرها تجمع المال من أجل راحة أولادها حتى اشتلَّ جسمها وبقت حبيسة الدار.

أنظار العائلات المجاورة  مصوبة نحو دار تلك الأرملة المسكينة وأولادها الثلاثة، وكنزهم الثمين.

سمعت الأم من مكانها جلبة أولادها الثلاثة عند مجيئهم فابتسمت لمجيئهم. طرق أحدهم الباب على عجالة ثم دخل ثلاثتهم. ترحيب من الأم المسكينة بأولادها

–        حيَّا بأولادي.

الشبان الثلاثة وأنفاسهم المتضاربة من الجري جعلهم يدخلون الغرفة المواربة لغرفة الأم للراحة، فجأة نادت الأم أن سطح المنزل الترابي به بعض الشقوق ولابد أن يصعد أحدهم ويصلح تلك الشقوق.

تقاعس الأبناء الثلاثة كلٌ منهم يوكل الأمر إلى الآخر، صاح أحدهم الكف عن الكلام الفارغ لأن الشقوق بسيطة ولن تؤثر. تفاقم الأمر أكثر وبدأت الشقوق تتسع فدخلت الماء حتى تبللت بقعة كبيرة من سقف المنزل.

صاحت الأم أن الفراش سيغرق إن لم يصعد أحدهم ويصلح تلك الشقوق. وصل بالشبان الثلاثة أن كل واحدٍ منهم يحلف أنه لن يقوم بهذا العمل فهو متعب، وازدادت الشقوق اتساعًا. الأم المسكينة حبيسة فراشها وإلا صعدت بنفسها لتصلح الأمر.

صاحت ثالثةً أنها تسمع أصوات حيوان يحفر في سطح المنزل وحتمًا سيغرق المنزل إن لم يقم أحدهم بالمهمة. 

صرخ الأخ الأكبر وأمر أخيه الأصغر أن يقوم بالمهمة فغاض الأخ الأصغر تمرد أخيه الأكبر بأن اختاره بالتحديد لهذه المهمة، لماذا لم يخبر أخاه الآخر!. زمجر الأخ الأكبر وحلف إن لم يقم أخيه الأصغر بالمهمة ليضربنه ويطرده من المنزل.

شعر الأخ الأصغر بالمهانة فرد بجلافة وأخبرهم أنه ليس عبدًا لهم حتى يأمرونه بكل شيء، فغاض ذلك التصرف الأخ الأكبر فصفعه. بدأت الخلافات تزداد بين الأخوة الثلاثة وازداد معها حدة تشاجرهم والصياح ضجَّ بالمنزل.

الأم تستغيث لكن أصواتها الواهنة ضاعت بين صخب أصوات أبنائها الثلاثة ومشاجراتهم. نظرت إلى سقف الغرفة فرأت أيادي كلبًا قد بدت وهي تحفر في السطح حتى أحدث حفرة كبيرة أدت إلى سقوط بعض التراب اللدن إلى جانب الأم. بدأت عبرات الأم تغتصب عينيها وأحسَّت بالألم لحالها بين أبنائها.

دخلت مياه المطر على الأم كالسيل ووقعت على رأسها حجرتين سقطتا مع التراب الرخو من السقف فصاحت بصوتٍ سمع صداه أبنائها حتى فقدت وعيها وضاعت معه أصواتها. هدأ الأخوة بعد تلك الصرخة واتجهوا بسرعة نحو غرفة الأم ليروها وقد تلطخ جسمها بدم يسيل من رأسها.

حاولوا إنقاذها لكن دون جدوى. فتحت الأم عينيها بصعوبة ثم نظرت نحو أبنائها وقالت:

–        لقد اختلفتم يا أبنائي حتى قتلتموني بخلافكم هذا. ما ضرَّ أحدكم لو أنه ضحى بدقائق من وقته ليصلح ما فسد من أجل البقية؟ أما رأيتم أنكم ستهلكون جميعًا ما دمتم هكذا؟

لقد غرقت الغرفة والفراش قد تبلل كله بماء المطر، وأصبح المكان غير صالح للعيش فيه.

بصوتٍ واهن أثنت الأم:

–        ألا ترون أنكم لن تستطيعون المبيت في هذه الغرفة وهي هكذا؟ أما كان من الأفضل لكم أن تتركون خلافاتكم وتصلحون الشقوق قبل أن تزداد اتساعًا!! فلتذهبوا الآن ولتبحثوا عن من يستطيع أن يأويكم ليلتكم هذه حتى تصلحون داركم، واحذروا كل الحذر أن تبيعون هذا الدار أو يدخلها غيركم فهي وصيتي ووصية جدكم.

لم تستطع الأم تمالك نفسها، فقالت كلماتها الأخيرة ثم ماتت.

مضت أيام فرأى الأولاد أن الدار أصبح خرب، وأن بيعه أجدى لهم، فقرروا بيعه وبيع الأرض أيضًا لبناء بيت آخر أجمل منه على حد قولهم. البعض تردد في أمر البيع لأن والدتهم أوصتهم أن لا يبيعوا دارهم وأرضهم لكنهم لم يهتموا لوصيتها وباعوا الدار والأرض. باعوا دارهم وأرضهم فغرهم المال الذي بين أيديهم فقرروا تقاسم المال حتى ينعم كل واحدٍ بماله واقتسموا.

مضت شهور وانتهت أموال الأخوة وبدأوا يبحثون عن عمل فرجعوا إلى قريتهم، كان الخبر الصاعق لهم أن الرجل الذي اشترى الدار قد وجد كنزًا ثمينًا تحت أرضيته جعله من أثرياء المنطقة، وأما الأرض فهي تدرَّعليه بالخيرات الواسعة. نظر الأخوة إلى أنفسهم وهم فقراء مشردين بعد أن تقاسموا أموالهم وأنفق كل واحدٍ منهم نصيبه، فقال أحدهم:

–        لقد بعنا دارنا وأرضنا بأيدينا رغم أن والدتنا أوصتنا أن لا نبيعه، إننا نستحق هذا الفقر وهذه الحياة التعيسة التي نحن نعيشها.

رد الآخر:

–        ألا ترى الغنى الفاحش والعيش الرغيد الذي يعيشه! ليتنا لم نبع الأرض والدار.

 بقي الأخوة يتندمون بينما الذي اشترى دارهم ينعم بأموالٍ كان لهم حق التنعم بها، لكن من يبيع داره لا يستحق أن يعيش فيه، ومن يسمح ببيع أرضه لا يستحق أن يأكل من خيرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى